المبحث الأول
أبو بكر الصديق رضي الله عنه
من رحمة الله وتثبيته لأعظم عظماء البشرية: الأنبياء - وقد علم ما سيلاقونه من الشدائد والمصاعب - أنه جعل إلى جوارهم أصحابا مخلصين يناصرونهم ويؤيدون مسعاهم،وأعظم هؤلاء الأصحاب هو أولهم إيمانا،وأقدمهم اتباعا للرسول،وقد كان هذا الرجل في دعوة خاتم الأنبياء هو أبو بكر الصديق الذى عرف محمدا - صلى الله عليه وسلم - في مكة المكرمة قبل البعثة بصدقه وأمانته،وشاهد سمو أخلاقه عن قرب،فكان أسرع الناس إيمانا بدعوته،وأعمقهم يقينا بصدق نبوته،وتحمل في سبيل ذلك الكثير من أذى المشركين في مكة،واستمر دوره في المدينة المنورة منذ صحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في رحلة الهجرة،التى تعد بالنسبة إلى أبي بكر واحدا من أعظم مواقف الرجال في التاريخ.
وبوفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم تنته المواقف الخالدة في حياة أبي بكر،بل بدأت صفحة جديدة منها،أثبت خلالها الصدّيق ارتباطه بالمبدأ أكثر من ارتباطه بشخص،ولو كان محمدا - صلى الله عليه وسلم -
وكان أول هذه المواقف ثباته وصبره على فراق حبيبه العظيم - صلى الله عليه وسلم - الذى ما أحبه أحد من الناس مثل حبه له،وما عايش أحد منهم مواقف الدعوة معه مثلما عايش أبو بكر،حتى كان ثباته عند وفاة النبى ثباتا للأمة كلها،وعَوْدا بها إلى رشدها.
ومن هذه المواقف أيضا: إصرار الصديق - بعد أن تولى الخلافة - على قتال المرتدين ومانعى الزكاة،وإنفاذه بعث أسامة بن زيد إلى الشام بالرغم من حاجة المدينة إلى كل جندى.
وقد حمل أبو بكر أمانة الخلافة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان خير خلف لأعظم سلف،صان الأمانة وحفظها،وعدل في الرعية،وجهز الجيوش الفاتحة ووجهها إلى العراق والشام..
وبعد سنتين وبضعة أشهر مكثها في الخلافة حضرت الوفاة شيخ قريش العظيم وخيرَ الأمة بعد رسولها،فلم يشغله مرض الموت عن مصلحة المسلمين فأوصى بالخلافة من بعده إلى الفاروق عمر،فكان أبو بكر من أصدق الناس فراسة ومعرفة بالرجال. ومات الصديق في جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة للهجرة ليلحق بصاحبِه رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ويرافقه في القبر كما صحبه ورافقه في الدنيا.
(عبد الله بن عثمان بن عامر) هذا هو الاسم الحقيقى الذى عرف به أبو بكر قبل الإسلام وبعده،وهو رجل شريف في قومه،يرتفع نسبه في قريش حتى يلتقى مع الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فى (مُرَّة) ،وينتمى إلى بطن من بطون قريش الشريفة،وهم بنو تَيْم،الذين امتازوا منذ الجاهلية بالمواساة والمشاركة في الخير والمعاونة عليه،وكان أبو بكر نفسه يدفع الدَّيْنَ والدِّيَاتِ عن العاجزين من قومه.