الصفحة 442 من 604

المبحث السابع

الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين

الإسلام أرحب من المكان،وأوسع مدى من الزمان،لا يُحبْس في قُطْر،ولا يعجز عن مجاراة عصر،نزلت أحكامه وتشريعاته مرنة متجاوبة مع ما يفرضه تغير الزمان واختلاف المكان من زيادة ونقصان،وهذا التغير والاختلاف قانونٌ إلهيٌّ في حياة البشر،ولابد أن يتناغم معه دين الله لهداية الخلق.

إن الإسلام ليس قوالب مصبوبة لا تقبل على الدوام سوى تفسير أحادي،بل إن آيات الكتاب العزيز ـ الذي يمثل مصدر التشريع الإسلامي الأول ـ حمّالة أوجه كما قال تلميذ الإسلام العظيم عبد الله بن عباس.

وليس ذلك لأن الإسلام يُحلّ شيئًا في مكان أو زمان،ثم يعود فيُحرّمه في زمان أو مكان آخرين،أو يهتم بجانب من الحياة،كالجانب الاجتماعي مثلًا ـ ويترك الخلق في جانب آخر يفعلون ما يشاءون،وإنما لأن الله ـ عز وجل ـ يعلم الثابت في حياة خلقه فيثبت له تشريعاته،ويعلم المتغير في حياتهم فيعمم المبادئ والقواعد حوله؛ لذا لن تصطدم حياة بشرية مستقيمة ـ مهما كانت قسماتها وملامحها ـ بشيء شرعه الإسلام.

وقد تحدث القرآن عن الجهاد في سبيل الله كثيرًا،كما تحدث عنه الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ووُضعت هذه الفريضة في الإسلام في موضع رفيع عالٍ،حيث يبذل المسلم أغلى ما يملك وأثمنه لنصرة دينه؛ معلنًا بوضوح عمق إيمانه بهذا الدين وثقته التامة به.

ومع ذلك فإن الجهاد في الإسلام وسيلة من الوسائل،هدفها حفظ الدين وإيصال صوته إلى الناس،ودائما الوسيلة يُستغنى عنها إذا ظل الهدف محققًا،ودائمًا ـ أيضًا ـ تنتظم الوسائل المتعددة للهدف الواحد في رتب متتابعة،وأيها ناسب موقفًا قُدّم على غيره.

وحتى عند الحاجة إلى الجهاد والحرب كوسيلة تبقى لها في الإسلام آداب وأخلاق تقلم أظفارها،وتحول دون تحولها إلى شهوة لسفك الدماء.

وإذا كان أهل الإسلام يرون أن كلمة دينهم هي كلمة الله - تعالى - ومعهم الأدلة المؤكدة لذلك،فإنهم يرون كذلك أن هذه الكلمة لابد أن يسمعها كل أحد في العالم خالية من التحريف والتبديل،ولكل واحدٍ بعد ذلك أن يختار ما يشاء من الديانات غير مجبر ولا مكره؛ لكي لا يكون للخلق حجة: لا على الله،ولا على رسوله،ولا على المؤمنين.

وهذا يتفق تمامًا مع الحقوق المقررة والثابتة للناس في كل مكان وزمان،كحق المعرفة وحق الاختيار،وإذا حال شيء دون حصول الناس على هذين الحقين فمن الواجب حينئذ إزالته،ولو بالقوة والشدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت