إن علاقة المسلم بالكتاب والسنة هي الاجتهاد في تطبيق منهجهما وسلوك سبيلهما،وهذا واجب على المسلم في كل زمان ومكان؛ إذ السلطان المطلق في دينه لكتاب الله تعالى وسنة نبيه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وما سوى ذلك فهو نماذج للتطبيق،وليست نصوصًا ثابتة يجب تطبيقها دائمًا كما هي بحذافيرها،وتجربة الفتوح الإسلامية في عهد الصحابة ـ الذين هم أعظم جيل فهم الإسلام مطبقًا على واقعهم وأفضل جيل خدم هذا الدين ـ هي نفسها نموذج للتطبيق،وليست نصوصًا شرعية تأخذ قداسة الكتاب والسنة .
ليست مرونة الإسلام هي المرونة التي تشتري رضا البشر،ولا التي تلبي رغبات الأهواء،وإنما هي تجاوب قوانين الله - عز وجل - التشريعية مع قوانينه سبحانه في حركة المجتمع البشري.
إن الشجرة تبدأ فسيلةً صغيرة،ثم تنمو ويستغلظ عودها،وتورق فروعها،وبعد تقلبات عديدة تُزهر وتُخرج ثمارها،وهي في كل دور من هذه الأدوار تأخذ ما يناسب حالها من الغذاء والماء.
والمجتمع الإنساني تتراكم في حياته الخبرات أو تتراكم في حقيبته الأخطاء والتقصير،فيتقدم أو يتخلف،ويتعود عوائد وترسخ لديه تقاليد تختلف من مكان إلى آخر،لذا لا ترى لهذا المجتمع شكلًا واحدًا في كل مكان،ولا هيئة ثابتة في كل زمان،بل تختلف الحياة من بلد إلى آخر،بل ربما من مدينة إلى أخرى داخل القطر الواحد،وكذا من عصر إلى آخر.
وإذا كانت درجة الحرارة في جسم كثير من أنواع الحيوان متغيرة تتكيف مع حرارة البيئة،بينما حياتها ثابتة تسير على نمط محدد لا يختلف في النوع الواحد - فإن ثبات حرارة جسم الإنسان يقابله تغير وتطور دائم في نظام حياته الاجتماعية.
وهذه قوانين إلهية منضبطة كل الانضباط،منتظمة تمام الانتظام،وجاءت رسالة الله لهداية البشر متناسقة مع هذه القوانين؛ وذلك لمرونة هذه الرسالة العالمية.
وعوامل هذه المرونة هي: عدم التحديد الدقيق والشديد لكل كبيرة وصغيرة في حياة الإنسان،ووجود نصوص شرعية كثيرة جدًا ليست قطعية الدلالة،واحترام الإسلام للعقل البشري مع وضعه في مجاله الطبيعي.
إن القيم الكبرى والغايات والأهداف العامة في حياة الناس أمور ثوابت لا تتبدل بين يوم ويوم ولا قرن وقرن،ولا تتغير من شعب إلى شعب،فالكل يريد الجواب عن هذه الأسئلة: من أين أتيت ؟ ولم جئت ؟ وإلى أين المصير ؟
هذه الأسئلة الثلاثة هي محاور التفكير ومدار اهتمام الأديان والأيديولوجيات والنظريات الفكرية العامة.
وقد أجاب الإسلام عنها أوضح جواب وأبينه،بحيث يفهمه الذكي ويغوص في أعماقه فيجد قناعته العقلية ورضاه النفسي،كما يفهمه العامي أيضًا دون أن يتوه في تفاصيل دقيقة أو أفكار معقدة ...