فالإنسان والكون كله خلقا خلقًا أولًا بيد إله قادر لابد من وجوده تبعًا لقانون العلل والأسباب،فكل موجود ـ وما أكثر ما نرى ونحس من الموجودات ـ لابد له من موجد،والإبداع والتنظيم في خلق هذه الموجودات يؤكد أنها خلقت بحكمة واقتدار.
وأما سبب المجيء فحدده الذي خلق،وهو السعي لتطبيق منهجه،والإبداع في إطار من الإرشاد الإلهي العام.
وأما المصير فمن حيث كان الابتداء؛ إذ من الطبيعي أن يترتب على رحلة الاختبار جزاءٌ،ويبقى الموت هنا: لا فناءً ولكن بداية لحياة جديدة تحكمها قوانين غير تلك التي تحكم الحياة الأرضية الأولى.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي العقائد الثابتة في الدين،والتي لا يقبل الإسلام الحياد عنها بأية حال،بل لابد من التزامها بصورة دقيقة.
كما ثبّتَ الإسلام في حياة الناس أيضًا مجموعة من الأعمال تسمى بـ"الشعائر"وفصَّل القول فيها تفصيلًا،ولم يترك فيها للإبداع البشري مجالًا للإضافة؛ إذ لا مجال فيها للإضافة الإبداعية أصلًا؛ إذ إن ترك المجال للإبداع البشري في هذا المجال مدعاة للفرقة والنزاع بين الناس.
إن هذه الشعائر تنظيم وترتيب للعلاقة العملية بين العبد وربه سبحانه وتعالى،والأولى باختيار طريقتها هو الله تعالى .
كما أن القيم الأخلاقية في الإسلام هي من الثوابت،بل إن هذا الثبات يعطيها الفرصة لتمثل مظلة تحكم كثيرًا من المجالات المتغيرة،كحياة التجارة والاقتصاد مثلًا ... فلا يعرف الإسلام القيم النسبية التي تجعل الشيء خيرًا في يوم وشرًّا في يوم آخر،وتجعل الأمر حقًّا في مكان وباطلًا في مكان آخر .. بل إن ذلك في عرف الإسلام نفاق وخداع يأباه الدين والفطرة السوية.
ميز الله - جل وعلا - المخلوق البشرى بالقدرة على الاختيار بين الخير والشر،وترك له مساحات فضاء في الكون يمارس خلالها إبداع الاختيار،فيبدع وهو يلقي البذور في أحضان الأرض ويتابع نموها بالسقيا والري،ويبدع وهو يصنع خيوطًا ينسج منها ثوبه،ويبدع وهو يكتشف في الكون سرًّا مكنونًا،وهكذا.
وكل تلك قوانين الله - تعالى - الذي أحسن الترتيب وأحكمه،فقوى علاقة الإنسان بالكون من حوله بشدة المفاعلة بينهما،فالإنسان لا يستغني عما حوله من خلق الله،بل إن أسباب بقائه مودعة في هذا الكون ومغطاة بغطاء شفاف يحتاج إلى شيء من التدبر والتفكر لمعرفة المخبوء.ولابد لحياة كهذه أن تكون سريعة الخطا سريعة التغير في أنماط الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتربية والتعليم،فوضع الإسلام لهذه المناشط أحكامًا عامة تفتح المجال أمام العقل البشري؛ ليبدع فيها ويضيف ويخترع؛ وفى نفس الوقت تمنع الفساد أن يدب إلى جنباتها،ففي حياة السياسة - مثلًا - وضع الإسلام مبادئ عامة كالعدالة والشورى،وفتح المجال أمام الأشكال المختلفة للتطبيق،وفى