الاقتصاد حرم الغش والربا والتدليس والاحتكار،وحد حدودا تمنع الظلم والتعدي،ثم فتح المجال أمام إبداع المؤسسات الاقتصادية وترتيب حركة التجارة.
هذا الطفل وضع ثوبه فوق الشماعة،وهو يفكر كيف يأتي به لكي يلبسه ويخرج للعب،والشماعة عالية وبعيدة عن متناول يده،يفكر في أن ينادي أمه لكي تخرجه من هذا المأزق،لكنها ـ ويا للأسف ـ خرجت إلى السوق لكي تشتري بعض الأطعمة،وأما الخادمة فهي كسولة ومنشغلة ببعض أعمال المطبخ.
ماذا يفعل ؟ لقد بدأ الملل يتسرب إلى أصحابه المنتظرين خارج المنزل،ها هو يُبصر الحل قريبًا جدًا،إنه يرى كرسيًّا،فيجره ناحية الشماعة حتى يحاذيها،ثم يصعد عليه بقدميه الصغيرتين وقامته القصيرة،ثم يخطف ثوبه بفرحة عارمة ... اليوم صار الطفل شابًّا،والشماعة في نفس موضعها،ولن يحتاج إلى الكرسي ليأخذ ثيابه من فوق الشماعة فقد طالت قامته،لكنه قد يحتاج إليه ليستبدل بالمصباح المحترق مصباحًا جديدًا،بل قد يحتاج إلى سلم كبير لدهان سقف حجرته العالي بلون البنفسج ...
هكذا الوسائل دائمًا،ضرورية هي،لكن العمق البعيد لها لا يرفعها فوق كونها وسائل،ولو تحققت الأهداف بدونها فلن تكون هنالك حاجة إليها.
والإسلام ـ برغم احترامه للجهاد ووضعه إياه في مكانة رفيعة بين أعمال الدين ـ فإنه يضعه في موضع الوسائل التي يُحفظ بها الدين،وبالتالي يمكن القول:إن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم ليست هي الحرب الدائمة التي تبغي إهلاكهم والاستيلاء على أوطانهم،وليس الأصل في هذه العلاقة أيضًا هو السلم الجبان الذي يضرب صاحبه ثم يصمت مدعيًا الميل إلى الرفق واللين ـ وإنما الأصل في علاقة المسلمين بالدول الأخرى هو الدعوة إلى الله،فإن كان الطريق أمامها بغير عوائق ولا عقبات فلا حاجة إلى القتال،وأما إن ضُيِّق عليها،وأوذي أهلها،وحُرم الناس من حق المعرفة لاختيار ما يشاءون ـ فإن الحرب تبرز لا في ثوب من الهمجية ولكن في ثياب من الأخلاق والقيم الرفيعة .
هل حد السيف له خُلُق يحكمه ؟ وهل صوت المدفع له قيم تضبطه ؟
الإسلام يقول: نعم،فلا شيء في الدنيا يعمل بعيدًا عن الأخلاق القويمة والقيم الرفيعة. وللجهاد والحرب في الإسلام أخلاق وقيم لا مثيل لها في عالم الناس.
وأول خُلُق إسلامي من أخلاق الجهاد أن يكون بذل الجهد والاستعداد للتضحية بالنفس مقصودًا بها وجه الله تعالى؛ لأن الطمع في ثروات الآخرين وحب الاستيلاء على البلاد والسيطرة على العباد ـ يفتح شهوات الانتقام،ويضع القيم والأخلاق تحت أقدام المحاربين،ويجعل الطامع يستهين بالحرمات.
أما حين يكون العمل في سبيل الله - تعالى - فإن النفس المسلمة المجاهدة تجد بين الحين والآخر حواجز تحجزها عن الظلم،وتمنعها من المبالغة في التعدي،ومن هذه الحواجز: ألا يقتل الجندي المسلم