أراد الله - تعالى - في هذا الجو الصعب أن يخفف عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - فأسرى به من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في فلسطين،ثم عرج به إلى السموات حتى سدرة المنتهى،وعاد إلى مكة في ليلة واحدة.
ورحلة الإسراء - وهى المرحلة التى قطعها الرسول العظيم فوق سطح الأرض - كانت قريش تقطعها في شهرين،شهر للذهاب وآخر للعودة،ولذلك وجدتها فرصة لتكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتشكيك في نبوته،وارتد بعض ضعاف الإيمان من المسلمين،وأما أبو بكر فقد قدم لهم سببا مقنعا يصدق على أساسه كل ما يقوله الرسول،وهو أنه يصدقه في الوحى الذى يأتيه من السماء في لحظات قليلة. ثم ذهب بنفسه إلى الرسول العظيم،وسأله عن الخبر،فلما سمعه منه أعلن تصديقه له على رءوس الأشهاد.
"والله لئن كان قاله فقد صدق".. هذه هى علامة الصدّيق الذى يثق في أن كل ما يقوله دينه حق،وكل ما ينطق به نبيه صدق،ولو كان أوسعَ دائرة من طاقة العقل.. أتاه المشركون وكأنهم وجدوا فرصة ليثبتوا لأبي بكر كذب صاحبه الذى يظن أنه نبي،وتأكدوا من قدرتهم هذه المرة على صرف أحد أكبر أنصار محمد عنه،خاصة أن ما يحكيه محمد قد صرف عنه بعض من آمن به..
أتى المشركون إلى أبي بكر لعلمهم بمنزلته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومكانته من الإسلام،الذى كان قد مضى عليه في مكة حينئذ عشر سنوات،فقالوا لأبي بكر:"إن صاحبك يزعم أنه قد ذهب إلى بيت المقدس وعاد إلى مكة في ليلة واحدة"!! وخاف أن يكونوا يكذبون عليه،فقالوا له: لقد قال ذلك وهو في المسجد يخبر الناس.
وبيقين المؤمن وفطنته يجيبهم أبو بكر: والله لئن كان قاله فقد صدق!
وما من كلمة خيبت سعى المشركين إلى تشكيك أبي بكر في صدق نبيه مثل هذه الكلمة،فقد أفقدتهم الأمل في أن يحاولوا مرة أخرى المساس بإيمان هذا الرجل الشامخ،الذى زادهم يأسا فقال:"ما يعجبكم من ذلك؟! فوالله إنه ليخبرني أن الخبر (أي: الوحي) يأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة ـ أى زمن قصير ـ من ليل أو نهار،فأصدِّقه،فهذا أبعد مما تعجبون منه..!!"
ويسرع أبو بكر إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ليسمع منه الخبر،ويتأكد من صدق كلام المشركين،فيجد النبى ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في المسجد الحرام عند كعبة أبويه إبراهيم وإسماعيل يقص على الناس قصة الإسراء،ويروى لهم رحلة المساء التى قطع فيها الصحراء الطويلة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى،ورسول الله لا يبالى بتكذيب المشركين واستنكارهم،بل يسوق لهم الحجج القاطعة والأدلة الواضحة على صدقه. وبفطنته يسأل أبو بكر رسول الله أن يصف المسجد الأقصى الذى شاهده في رحلته،ليكون ذلك أدل على صدقه أمام الناس. ويُرفَعُ المسجد أمام عينى النبى العظيم،فيصف بناءه وهيئته ومنظره،وكلما سمع أبو بكر شيئا قال للنبى الحبيب: صدقت،أشهد إنك لرسول الله"،فحلاَّه النبى - صلى الله عليه وسلم - بالوسام العظيم فقال:"وأنت يا أبا بكر الصديقُ"."