الصفحة 11 من 604

بَدَا إيذاءُ المسلمين مسلسلا مُمِلاًّ يتولى الكفار تنفيذه،فأذن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأتْباعه بالهجرة إلى الحبشة.. وأعد أبو بكر عدة السفر،ناويا الخروج والهجرة بدينه بعيدا عن أذى المشركين وتضييقهم.. ويبدأ الصدّيق خطواته المثقلة المتعبة جادا في ترك الوطن الذى آذاه فيه قومه،لكن يلقاه في طريق هجرته ابن الدغنة المشرك فيسأله عن وجهته،ويجيب أبو بكر في صبر المؤمن:"أخرجنى قومى وآذوني.."،وأبت مروءة ابن الدغنة أن يترك هذا الرجل صاحب الخلق السوى والمعروفِ والمعونة شريدا في البلاد،ورجع به إلى مكة في حمايته،وأعلن ذلك بين قريش،فرضيت واشترطت لنفسها أن يعبد أبو بكر ربه كيف يشاء،ولكن في السر وبعيدا عن أعين الناس،حتى لا يتأثر به أحد..

وهل يرضى المؤمن أن يكتم إيمانه في صدره،أو يحبسه في بيته،ولا يريه للدنيا لكى تغترف منه،وتنال من هذا الخير الذى ذاق طعمه وعرف حلاوته ... ؟ اتخذ أبو بكر من منزل له في بنى جُمَح مسجدا يصلى فيه،وانطلق صوته الجميل يرتل آى القرآن في خشوع،ودموعه تسيل على خديه،وتبلل صوته بما يذيب الأحجار،ويزلزل النفوس من أعماقها العميقة.. وراح النساء والغلمان والعبيد من قريش يستمعون إلى هذا الصوت المغرد،فخشعوا لخشوعه،وبكوا لدموعه. وخاف السادة من قريش أثر ذلك،فأسرعوا يشكون أبا بكر إلى ابن الدغنة،فلما راجع أبا بكر،فضّل الصديق رد حمايته عليه،والبقاء في حمى الله تعالى وقال:"أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله"،فعادت قريش إلى إيذائه،وعاد هو إلى الصبر .

بعد إحدى عشرةَ سنةً من بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن كفاحه في مكة،وتحمله لأذى المشركين وصبره على عنادهم،وصبر أصحابه على ما يلاقونه - شاء الله تعالى أن يظهر دينه عندما قابل الرسول - صلى الله عليه وسلم - في موسم الحج وفدا من أهل يثرب الذين جاءوا إلى مكة للحج والتجارة،ودعاهم إلى الإسلام فأبدوا استجابة وتواعدوا على اللقاء معه في العام القادم بعدما يكونون قد عرضوا الأمر على قومهم .

وفى العام الثانى عشر من البعثة،وفى موسم الحج أيضا تمت بيعة العقبة الثانية بين الرسول العظيم وثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين من الأنصار،واتفقوا أن يهاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته إلى يثرب،فيحيوا بين أهلها،ويكون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم .

وجمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - صحابته وقال لهم:"إن الله - عز وجل - قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها"،فخرج الصحابة الكرام جماعات وراء جماعات وأفرادا في عقب أفراد مهاجرين إلى يثرب،بينما انتظر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذن ربه،وكلما استأذنه أبو بكر ليهاجر قال له النبى - عليه السلام:"لا تعجل،لعل الله يجعل لك صاحبا".

وكانت الصحبة والهجرة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث سخر أبو بكر نفسه وماله وأهله لإنجاح الرحلة وحماية الدين،فشهد مواقف الخلود في الغار،وفى الطريق إلى يثرب"المدينة"،وكانت هذه أعظم صحبة في التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت