الصفحة 81 من 604

وكان رد أبى بكر على عمر شيئا من الجدية والصرامة فرضته ما طبيعة الموقف،فقال أبو بكر: رجوت نصرك وجئتنى بخذلانك،جبارا في الجاهلية خوارا في الإسلام،بماذا عسيت أن أتألفهم ؟ بشعر مفتعل أو بسحر مفترى؟ هيهات هيهات مضى النبى - صلى الله عليه وسلم - وانقطع الوحى،والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدى وإن منعونى عقالا كانوا يؤدونه.

لقد حمل عمرَ على هذا الرأى خوفه من الفتنة بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكنه أدرك بعد ذلك أن الشدة والحزم في مثل هذه المواقف يقطعان الطريق على الفتن وهذا ما فعله أبو بكر.

كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

كان هذا رد أبى بكر عندما طرح عليه وزيره ومستشاره عمر بن الخطاب فكرة جمع القرآن في كتاب،بعد أن كان قاصرا على الحفظ القلبى،والوجود مكتوبا ولكن متفرقا،وأيد عمر رأيه بما حدث من قتل عدد كبير من قراء القرآن وحفّاظه فى"اليمامة".

ولما رأى عمر تردد أبى بكر قال له: هو والله خير،حتى لا يضيع القرآن بموت القراء.. ولم يزل عمر يراجع أبا بكر،ويحسن له الأمر حتى استجاب خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر زيد بن ثابت بجمعه.

يقول زيد: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعُسُب وصدور الرجال،حتى وجدت من سورة التوبة آخر آيتين مع خزيمة بن ثابت لم أجدهما مع غيره..وحُفظت الصفحات التى جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله،ثم انتقلت إلى عمر حتى توفاة الله،ثم انتقلت إلى حفصة بنت عمر أم المؤمنين.

أحب أبو بكر صاحبه ووزيره عمر بن الخطاب وكان يعرف قدره ومكانته في دين الله؛ ولذلك لم يتردد في أن يختاره للخلافة من بعده،وعندما سأله الناس: ماذا تقول لربك وقد استخلفت علينا عمر ؟ قال أبو بكر مثنيا على عمر: أقول استخلفت عليهم خير أهلك..

وزاد أبو بكر في الثناء على عمر بعد أن جمع الناس وخطب فيهم،فكان مما قال:"وإن هذا الأمر (يعنى الخلافة) لا يتحمله إلا أفضلكم مقدرة،وأملككم لنفسه،أشدكم في حالة الشدة،وأسلسكم في حال اللين،وأعملكم برأى ذوى الرأى،لا يتشاغل بما لا يعنيه،ولا يحزن لما ينزل به،ولا يستحى من التعلم،ولا يتحير عن البديهة،قوى على أمور لا يخور لشيء منها حده بعدوان ولا تقصير،يرصد لما هو آت عتاده من الحذر والطاعة،وهو عمر بن الخطاب ...".

"كنا نلزم باب عمر بن الخطاب نتعلم منه الورع"،هكذا عبر أحد الصحابة عن المدرسة العمرية في الورع،لقد كان نسيجا وحده،ولو أردنا أن نتحدث عن ورع عمر لسردنا حياته كلها،فإن الورع يظهر في كل موقف وقفه عمر،وفي كل فعل فعله،ولو قصرنا الحديث عن الورع على ورعه في المال لسمعنا قول عمر: إنى أنزلت نفسى من مال الله منزلة والى اليتيم من ماله،إن أيسرت استعففت،وإن افتقرت أكلت بالمعروف،فإن أيسرت قضيت..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت