الصفحة 82 من 604

وذات يوم اشتكى من وجع فوصف له العسل،وكان في بيت المال عسل،فصعد المنبر وقال للناس: إن أذنتم لى فيها أخذتها،وإلا فهى على حرام.

وكان عمر يحرم نفسه وأهله من كثير من المباحات خوف الوقوع في شبهة الحرام،وجعل ابنه عبد الله يرد ربح تجارته بالكامل إلى بيت المال،خوفا من أن يكون لقرابته منه أثر في تجارته،بأن جعلت الناس يهتمون بها؛ لأنه ابن أمير المؤمنين.

ليس الزاهد من حُرم متاع الدنيا،أو لم يقدر على تحصيله لفقر أو مرض،ولكن الزاهد الحقيقى من جاءته الدنيا راغمة وقدر عليها،ثم زهد فيها لله. وهكذا كان عمر إذ ضرب مثالا من أروع الأمثلة في إيثار الآخرة على الدنيا،وفى خوفه من إقبال الدنيا،فكان يحرم نفسه من متاعها برغم قدرته عليه،خوفا من أن يُذْهِب طيباته في الحياة الدنيا. ولقد وضع منهجه وشرحه لحفص بن العاص عندما زار أمير المؤمنين،ورأى الطعام اليابس الذى يأكل منه عمر،فدعاه فاعتذر حفص،وصارح أمير المؤمنين بأنه سيأكل في بيته طعاما لينا.

فقال عمر:"والذى نفسى بيده،لولا أن تنقص حسناتى لشاركتكم في لين عيشكم،ولو شئت لكنت أطيبكم طعاما،وأرفهكم عيشا،ولنحن أعلم بطيب الطعام من كثير من آكليه،ولكننا ندعه ليوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت،وتضع كل ذات حمل حملها وإنى لأستبقى طيباتى؛ لأنى سمعت الله تعالى يقول عن أقوام أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها..."

"لست بالخِبّ ولا الخِبُّ يَخدعني"..

تصور هذه العبارة التي قالها عمر طبيعة نبوغه وذكائه،وهو ذكاء فطرى،وفطنة سوية. وذكاء عمر نابع من مسئوليته. ومن معالم ذكائه وفطنته معرفته بطبائع الناس،وسرعة فهمه لحقائق الأمور،وكان أصحابه يشهدون بمقدار علمه وفقهه فيقول عبد الله بن مسعود:"كان عمر أعلمنا بكتاب الله،وأفقهنا في دين الله". وما نزل القرآن بموافقة رأيه إلا صورة من صور ذكائه الذى وهبه الله له. وذكاء عمر لا يأتى للأمور من بعض زواياها،إنما يكشفها جميعا ويستوعبها حتى آخر نماذجها واحتمالاتها.

ذات يوم قال لبعض أصحابه:"أحبُّكم إلينا قبل أن نراكم،أحسنكم سيرة،فإذا تكلمتم،فأبينكم منطقا،فإذا اختبرناكم فأحسنكم فعلا".

ولقد استخدم عمر ذكاءه في خدمة الحق الذى آمن به وعاش له،ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه".

كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فراسة في أصحابه،وقد تكون هذه الصفة مشتركة بين كل أصحابه،لكن عندما يطلقها على فرد بعينه،فإن هذا يعني تميزه في هذه الناحية،وقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بأنه"رجل لا يحب الباطل"،وهذا يعنى أن بغض عمر لما يعتقد أنه باطل طابع أصيل في شخصيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت