مسئوليات الحياة.. ولا يمنع هذا من وجود رجال في الجاهلية العربية احترموا بشرية المرأة وقدروا آدميتها،فلما أتى الإسلام كانوا أكثر استعدادا من غيرهم للاستجابة لدعوته،وأبو بكر أحد هؤلاء الرجال.
تزوج أبو بكر أربع مرات: الأولى في صدر شبابه،حين تزوج قُتيلة بنت عبد العزى،وولدت له عبد الله وأسماء،ثم تزوج بعدها أم رومان ابنة عامر بن عويمر فأنجب منها عبد الرحمن وعائشة،أما زوجته الثالثة فتزوجها بعد إسلامه،وهى أسماء بنت عميس التى استشهد زوجها جعفر بن أبي طالب في مؤتة. وقد أوصى أبو بكر وهو في مرض الموت بأن تغسله أسماء هذه الزوجة البارة. وأما الرابعة من زوجات أبي بكر فهى حبيبة بنت خارجة بن زيد الأنصاري،وقد توفى الصديق وفى بطنها حمل له،فولدت بعد موته أمَّ كلثوم بنت أبي بكر.
"الصِّدِّيقِيَّةُ"مقامٌ عالٍ يلي مقام النبوة،يعلن فيه صاحبُه إيمانَه بالغيب كأنه يراه،ويعلن ثقته في دينه وحكمة تشريعه،حتى يصبحَ الإسلامُ بالنسبة لحياته الماءَ والهواءَ.. لا يبالي هذا الصدّيق بالشدائد والأذى والضوائق،بل يبدو أمامها كالهازئ بها وبمن يدبرها ويكيد بها للدين.
لقد ظهرت كل هذه المعانى بجلاء ووضوح في الثلاث عشرة سنة التى قضاها أبو بكر الصديق في مكة قبل الهجرة،حتى أخذ لقبه ورتبته العالية (الصديق) من موقفه إزاء أحد أحداث هذه الفترة،وهو حادث الإسراء والمعراج..
وقبل ذلك وبعده،بقي أبو بكر في مكة عمادا قويا من عُمُد الإسلام،يشارك الرسول في دعوة الناس إلى الله،ويتحمل أذى قريش،ويجهد نفسه لدفع الأذى عن الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ويفتدى بماله الرقيقَ من المسلمين،ويقف في وجه محاولات المشركين للتشكيك في صدق النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - .
وبلغت أعمال أبي بكر في مكة قمتها بالهجرة منها إلى المدينة في صحبة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ليكون على موعد للعودة إليها في صفوف الفاتحين عام الثامن من الهجرة.
ـ يا أبا القاسم،فُقدتَ من مجالس قومك،واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها..؟
ـ إنى رسول الله أدعوك إلى الإسلام.
هكذا جاء المشهد سريعا،وإن ترك أثرا عميقا: ليس في حياة أبي بكر وحده،ولكن في حياة العديد من شباب مكة الذين سيكونون أول الداخلين في الإسلام على يديه،بل في حياة الدنيا كلها؛ إذ ستسجل هذه الكوكبة من الرجال أعظم المواقف في خدمة الإسلام وافتدائه والدعوة إليه. راح أبو بكر يستمع إلى صوت صاحبه القديم محمد في إنصات واهتمام،والكلمات تتحدر من بين شفتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كحبات اللؤلؤ التى يضيء لها قلب الصدّيق،فتمتلئ نفسه بالرضا،وفؤاده بالطمأنينة.. ولم يلبث أبو بكر حين تعلم كيف يصير مسلما أن شهد بالوحدانية لله تعالى،وبالرسالة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فقال فيه