الصفحة 562 من 604

وفي نقيوس كان اللقاء الملتهب،حيث دار القتال شديدا،وحارب عمرو في صفوف الناس،فأصاب فرسَه سهمٌ،فنزل عنه وقاتل على رجليه لا يبالي بما يرى من شراسة العدو الذي هزم المسلمين في بعض أجزاء الحرب،لكن المسلمين عادوا فشدوا وحملوا حملةً قويةً انخرم أمامها نظام العدو،ففروا والمسلمون في ذيولهم حتى دخلوا الإسكندرية،وتحصنوا وراء أسوارها،وأقسم عمرو أن يهدم هذه الأسوار إذا أظهره الله على عدوه،وقاتل المسلمون بحماسة حتى اخترقوا دفاعاتِ المدينة وسيطروا على الموقف تماما،وقتلوا في الروم مقتلةً كبيرة حتى بلغت سيوفُهم قائدَ الروم فلقي حتفه.

أثناء حصار الإسكندرية،وعقب فتحها،كان عمرو بن العاص يبث سراياه في أنحاء مصر لإخضاع مَنْ بقي بها من الرومان،وما كان لمن بقي بعد الإسكندرية أن يكون عقبة كبيرة في وجه جيش الفتح.. سيَّر عمرو بن العاص سراياه إلى إخنا القريبة من الإسكندرية وبلهيب ففتحوها،وصالح حاكِمَىْ رشيد والبرلس،وتقدم عمير بن وهب الجمحي إلى دمياط وتنيس وتونة ودميرة وشطا ودقهلة وبوصير،فصالحوها جميعا.

وسار المسلمون نحو الجنوب يفتحون ما يجدونه في طريقهم من المدن والقرى حتى بلغوا طوخ،وساروا منها إلى دمسيس وما حولها..

واتجه قيس بن الحارث على رأس سرية جهة بلاد الصعيد،قطعت مسافات طويلة حتى بلغت حدود إقليم طيبة،دون أن تلقى مشقة كبيرة في فتح بلاد الصعيد التي أصبح عبد الله بن سعد بن أبي السرح أميرا عليها بناءً على أوامر الخليفة.

كانت بلاد النوبة صخرة قوية في جوار مصر الجنوبي،حاول عمرو بن العاص فتحَها سنة إحدى وعشرين،لكن عبد الله بن سعد بن أبي السرح الذي كلفه عمرو بذلك لم يستطع عمل شيء في مواجهة المقاومة النوبية الشرسة.

ومضت عشر سنوات وقد بدا أن المسلمين نسُوا هذه الجهة،فجرد أمير مصر الثاني عبد الله بن أبي السرح جيشًا قاده بنفسه،فيه نفر من صحابة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ،ووصل الجيش في حملته إلى دنقلة حيث دارت الحرب بين الجانبين واشتد سَعِيرُها،وأتقن رماة النوبة إصابةَ عيونِ المسلمين،حتى اضطر ابن أبي السرح إلى مهادنتهم،وصالحهم على ألا يغزوا المسلمين ولا يغزوهم المسلمون،على أن يؤدي النوبيون للمسلمين عددا من السبي كل عام،ويؤدي المسلمون إليهم شيئا من الطعام والكسوة.

ملأت السعادةُ نفسَ عمرو وقد دخلت مصرُ كلُّها تحت جناح الإسلام،لكنه نظر إلى الغرب من مصر فوجد أنحاء أخرى قريبةً تحتاج إلى أن تُرفع في سمائها راية الدين الحنيف،فانطلق من الإسكندرية إلى بَرْقةَ وفي الطريق بينهما سلسلة من المدن والمنازل.

ولما قدم بَرْقَةَ صالحه أهلُها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها جزيةً،فكان أهل بَرْقَةَ يبعثون بالجزية إلى المسلمين دون حاجة إلى إرسال مَنْ يجمعها منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت