وأطلق عمرو بن العاص عقبةَ بنَ نافع سهمًا فانطلق حتى بلغ زويلة،وصار ما بينها وبين بَرْقَةَ تحت سيطرة المسلمين.
وفي نفس هذه السنة،أي اثنتين وعشرين من الهجرة،سار عمرو بقواته إلى طرابُلس،وكانت بها حامية روميةٌ قوية،ولها حصون منيعة،فحاصرها المسلمون شهرا دون أن يتغلبوا عليها.. وفكر المسلمون في وسيلة يقتحمون بها المدينة فاهتدوا إلى التَّسلُّل إليها من ناحية البحر التي لم يكن فيها سور يحمي المدينة.. وفي غفلة من الرومان تسللت جماعة من المسلمين إلى المدينة عن طريق البحر،ولم ينتبه الروم إلا لصوت التكبير يرتفع من داخل المدينة،فهربوا نحو السفن بما خف معهم،وتركوا المدينة وما فيها غنيمة للمسلمين.
وعلى مقربة من طرابُلس كان أهل سيرت قد أَمِنُوا،وظنوا أن لا طاقة للمسلمين بفتح طرابلس،وسيقيمون حول حصونها زمنا طويلا دون أن يتمكنوا منها،وفي ليلةِ فَتْحِه لطرابُلس لم يتمهلْ عمرو وجرد عددا كبيرا من جنود الخيالة أتوا أهل سيرت مع طلوع الصباح فجأة،وقد فتحوا أبوابهم لتسرح ماشيتهم،فدخل المسلمون المدينة فلم ينجُ منها أحد،واحتووا ما فيها.
حاول عمرو بن العاص أن يحصل من عمر بن الخطاب على إذن تاريخي آخر يغزو بمقتضاه إِفْرِيقِيَّةَ،كما فعل حينما غزا مصرَ وفَتَحَها،إلا أن الخليفة كان شديد الخوف على المسلمين ويخشى أن يعطي إذنا بالغزو في ميادينَ واسعةٍ تُشتِّت جنودَه،وتعرضهم للخطر والموت فإذا لقي الله ـ تعالى ـ حاسبه على هذا الإذن؛ لذلك رفض أمير المؤمنين عمر أن يمنح عَمْرًا إذنًا بغزو إِفْرِيقِيَّةَ.
وتغيرت الوجوه،فصارت إمارة المؤمنين عند عثمان بن عفان،وإمارة مصر بيد عبد الله بن أبي السرح،فكان عبد الله يبعث فرسانه للإغارة على أطراف إِفْرِيقِيَّةَ فيرجعون بالغنيمة.. وأحس عبدالله في نفسه أن هذه الناحية قابلة للفتح،فقط تحتاج إلى إذن أمير المؤمنين فكتب إلى عثمان بذلك،والخليفة رجل عاقل لا يريد أن يتحمل مسئوليةَ أمرٍ لم يُقْدِمْ عليه سلفُه العظيم عمر،فراح يستشير وُجُوهَ الناس مِنْ حوله،فرأوا ذلك خيرا لا ينبغي أن يمر،واتخذ الخليفة بسرعة خطوةً جديدةً،إذْ راح يشجع الناس على الغزو،ويدعوهم إلى ترك الراحة في البيوت،وإلى الجهاد في الأرض مشرقا ومغربا لإعلاء كلمة الله ـ تعالى.. وخرج من المدينة في سنة سبع وعشرين من الهجرة جيشٌ يقوده الحارث بن الحكم،تحرك بهم ابن أبي السرح.. في عشرين ألفا متجها إلى الغرب،فلقي المشركين عليهم جرجير،واقتتلوا قتالا عنيفا،حتى هلك جرجير في المعركة،وانتشرت سرايا المسلمين هنا وهناك،تسيطر على المواقع،وتحصل على الغنائم،حتى أيقن رؤساءُ أهلِ إِفْرِيقِيَّةَ أنه لابد من التسليم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه،ففاوضوا المسلمين على أن يخرجوا من بلادهم مقابل مالٍ يأخذونه،ورأى ابن أبي السرح أن هذا أفضل من البقاء في بلاد إِفْرِيقِيَّةَ الخطيرة التي يسيطر عليها الرومان وقبائل البربر،ويصعب السيطرة عليها بهذا العدد من الجنود.