الصفحة 561 من 604

كانت أشد مما سبق،وصلى المسلمون صلاةَ الخوف،ودار القتال أياما،حتى تغلب إيمان المسلمين وصبرهم وشدةُ بأسِهم على الروم بعددهم وعدتهم،وقتلوا منهم مقتلةً عظيمة.

وبعد استراحة واستجمام قصير،واصل عمرو مسيرَه نحو الإسكندرية،وعسكر برجاله بين الحلوة وقصر فاروس،وراح يفكر كيف يقتحم هذه المدينة الرائعة العتيقة؟!

ها هم أولاء أبناء الإسلام يكملون تحقيق البشارة النبوية بفتح مصر،ويقفون على أبواب عاصمتها الإسكندرية،تدهشهم عجائب المقادير الإلهية أكثر مما تدهشهم عظمة المدينة الفخمة الباديةِ من خلف الأسوار وكأنها ترتدي ثوبا من البهاء والقوة... فسبحان من ينزع الملك من قوم ويؤتيه آخرين! لقد أقبل عمرو في الاثني عشر ألفا من جنوده يحط الرحال حول حصون الإسكندرية،وهو واثق من أن الفتح لن يكون سهلا،فالمدينة شديدة التحصين،بها خمسون ألفا من الرومان،تأتيهم الأقوات وفيرة عن طريق البحر،ولديهم أحدث آلات القتال والدفاع..

وتتصاعد الأحداث بعد شهور من الحصار،فتأتي من المدينة المنورة أخبار،ومن القسطنطينية أخبار،فقد دبَّ الخلاف والنزاع داخل بيت هرقل بعد وفاته،وكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى قائد جند المسلمين بمصر يَعْجَبُ من بطء عمرو ومَنْ معه عن الفتح بعد عامين من دخولهم أرضَ مصر،ويأمره بتقديم الزبير بن العوام وبعضِ أولي العزم من المجاهدين في وجه العدو،وتذكير الناس بالصبر والنية،والإلحاح على الله بالدعاء،ففعل عمرو ذلك،وعقد راية الحرب لفارس الأنصار الكبير عبادة بن الصامت،ومضى المسلمون حتى صدموا عدوهم صدمة رجل واحد،وتسللوا إلى داخل أسوار المدينة،وبثوا الذعر في نفوس عدوهم فقُتل من الروم مَنْ قُتل وفَرَّ مَنْ فَرَّ،وأذعن سكان المدينة للمسلمين،فجعلهم عمرو أهلَ ذمةٍ وعاملهم معاملة مَنْ فتحت بلادهم صلحا،وذلك في سنة إحدى وعشرين من الهجرة النبوية.

لم يكن سهلا أن تخرج الإسكندرية من يد الروم،ولم يكن سهلا أيضا أن يسكتوا على خروجها من أيديهم،وهل ترضى أن تسقط منك لؤلؤة أو دُرَّةٌ نفيسة وسط الرمال دون أن تبحث عنها أو حتى تعطي نفسك فرصة للحزن عليها؟!.

لذلك لما أحس الروم ببعض العافية كتب زعماؤهم بالإسكندرية إلى الإمبراطور قسطنطين بن هرقل يشجعونه على غزو الإسكندرية.

وكانت فرصة أمام الإمبراطور الجديد ليصنع لنفسه بعض المجد،فبعث أسطولا ضخما في ثلاثمائة سفينة شقت البحر من القسطنطينية إلى الإسكندرية وحطت على الشاطئ في أوائل سنة خمس وعشرين من الهجرة،واستولوا على الإسكندرية بسهولة،ثم راحوا يتجهون جنوبا ينهبون ويقتلون وينضم إليهم مَنْ ينضم،وانتظر عمرو حتى يتوغلوا في مصر فينفرد بهم بعيدا عن الشاطئ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت