الصفحة 560 من 604

غضب هرقل لرسالة المقوقِس بشدة،وكتب إليه رسالةً في لهجة شديدة تصفه بالعجز برغم القوة الكبيرة التي في حوزته،وأمره بألا يختار رأيًا غيرَ الحرب والقتال.

لم يكن الزبير رجلا عاديا بين أتباع محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ،بل كان من أوائل الذين خالفوا قومهم واتبعوه،وهو ابن عمته،والحواري القريب إلى قلبه،وعاشق البطولة والشجاعة الذي عَدَّه عمر بن الخطاب بألف مقاتل. ها هو الزبير اليوم قد ملَّ الانتظار أمام حصن بابليون،سبعة أشهر من الحرب ولا فتح،فليفعلْ شيئا يحرك به الموقف الساكن،ولو كانت نفسُه ثمنَ النصر الصعب.

خرج الزبير يهَب نفسَه لله رجاء الفتح على إخوانه،وخرجت معه جماعة من المسلمين معهم سُلَّم يصعدون به فوق الحصن،فلما وصل الفريق المجاهد وضع الزبير السُّلَّم في ناحيةٍ من الحصن وراح يصعد درجة درجة،ذاكرا ربه العزيز القهار،ووراءه محمد بن مسلمة،ووراءهما مالك بن أبي سلسلة،وفلان وفلان،والليل قد كسا الدنيا ظلاما لم يقلل من أضواء الحصن،فلما استوى الزبير على رأس الحصن امتلأت جوانب نفسه بالعزة،وملأ الأجواء من حوله بصوت كالرعد ينادي الله أكبر،فجاوبه المسلمون بالتكبير،حتى وقع العجز في قلوب الروم،وحسبوا أن المسلمين قد دخلوا عليهم الحصن،فأسرعوا إلى عمرو يفتحون له الباب ليصالحهم على ما شاء،بينما هبط الزبير وأصحابه إلى أرض الحصن وفتحوا الباب الآخر واخترقوا الطرق حتى خرجوا من الباب الذي عليه عمرو فأمضوا الصلح،وكتب لهم عمرو كتاب الأمان.

دُرَّةٌ على شاطئ بحر الروم،يَكثر المرمر في أرضها وبنائها وعُمُدها،تبدوا بيضاء لامعة في الليل والنهار،عروس هى يداعب الشاطئ أطراف ثوبها،وينثر الموج على وجهها رذاذ الماء... إنها الإسكندرية التي اتجه إليها جيش عمرو بن العاص بعد تأمين الأوضاع في حصن بابليون،ولم يكن الوصول إليها سهلا،وهل رأيتَ مثلَها يَسْهُلُ أن تجيب الخُطَّابَ؟!

قبل أن ينقضي العام العشرون من الهجرة كانت الخيول تعدو بالمسلمين جهة الإسكندرية،حيث سار عمرو بن العاص بجنوده على الضفة الغربية للنهر من ناحية الصحراء،حتى بلغ ترنوط فلقي فيها جمعا للروم ففضَّهم بعد قتال خفيف،ثم عبر النهر إلى شاطئه الشرقي ليفتح مدينة نقيوس وحصنها المنيع،ويفرق السفن الرومانية التي كانت في النيل هناك.

وامتدت الخطا بالمسلمين وتابعوا السير مع فرع النيل الكانوبي المؤدي إلى الإسكندرية،واشتبكوا مع الرومان من جديد عند سلطيس،حيث وقع قتال شديد فرَّ بعده الروم نحو حصن كريون انتظارا لِلِقَاءٍ آخر شديد الشراسة مع المسلمين...

أقبل الروم على الحصن من كل حَدَبٍ وصَوْب،كما خرج إليه تيودور بنفسه في جند كثيف،وحَصَّنَ الموضع أكثر،ورمَّم ما احتاج إلى ترميم منه،وشارك بعضُ المصريين عَمْرًا وقد رأوا النصر يسير في ركابه،فحرسوا الطرق وعَبَّدُوها وجهزوا الجيش بحاجته من الطعام والزاد،حتى إذا وقعت الحرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت