ومع أن الأنباء جاءت من القسطنطينية بموت هرقل فزادت الروم داخل حصن بابليون إحباطا،إلا أنهم ظلوا مستميتين في الدفاع عن حصنهم،حتى خرج الزبير بن العوام وفتح أمام المسلمين الطريق ليدخلوا الحصن،ويكملوا الاستيلاء على مصر فيما عدا الإسكندرية.
ظن المقوقِس أن"المغامرة"التي يقودها عمرو وجنوده في مصر ستختم بالفشل حتما،فراح يستدرجهم إلى الداخل أملًا في أن يكسرهم في موضع لا يمكنهم الرجوع منه،ويصيروا فريسةً بين أنياب الذئاب الرومية الشرسة.. ومَنْ عمرو هذا ومَنْ جنوده؟ إنهم لدى المُقَوْقِس أبناء الصحراء القاسية العارية،ولا تصلح لهم بيئة يشقها نهر،وتتناثر على أرضها الحصون،ليقاتلوا فيها...
لكنهم في الحقيقة أخذوا من الصحراء صلابتَها،وعلَّمتهم صفاءَ النفوس،وجاء الإسلام فهذبهم وأدبهم،ووصلهم بغايات رفيعة ومطالب عالية جليلة،لذلك هزم إيمانُهم وصلابتهم بيئةَ القتال الجديدةَ،فانتصروا فيها هي أيضا،حتى أذهلوا المقوقِس ومَنْ معه جميعا،فأراد المقوقِس أن يعرف من أي معدن هؤلاء الناس،فبعث بالرسل إلى عمرو بن العاص ليبعث بعض رجاله يفاوضون المقوقِس. وبدهائه راح عمرو يؤخر عودة الرسل،حتى يَرَوْا طبيعة الإنسان المسلم الذي جاء مع عمرو من قلب الصحراء لكنه تأدب بأدب السماء،وعاد رسل المُقَوْقِس إليه مذهولين يَحْكون له عن قوم أميرُهم كواحد منهم،إذ حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد،والموت أحب إلى أحدهم من الحياة...
وجاء إلى المقوقِس وفد المسلمين عليهم عبادة بن الصامت الأنصاري بطولِه الفارع وسواد بشرته،فهابه المقوقِس وتحرك الخوف في نفسه،ودخل معه في حوار طويل زاده هيبةً وإجلالًا لهؤلاء القوم الذين يقدِّمون رؤساءهم بكفايتهم وقدرتهم لا بألوانهم ولا هيئاتهم،ونصح المقوقِس قومه بمصالحة المسلمين،إلا أنهم خالفوه،وكتب يستشير هرقل،فأبى هو أيضا إلا الحرب،وسفَّه رأي المقوقِس.
رجع هرقل إلى القسطنطينية تاركا الشامَ كلَّها،ولهيبُ الحزن يملأ قلبَه على سوريَّةَ ودمشقَ وحِمْصَ وبيتِ المقدسِ،ولا يدرى على أيِّها يحزن أكثر،أَعَلَى دمشق الفيحاء،أم بيت المقدس منزل الأنبياء،أم غيرها من المدن الرائعة؟! ومرت أربع سنوات وهو في سجن كئيب من الحزن،لا يحاول أن يسترد شيئا أَخَذَه منه المسلمون إلا فشل وخابت جهودُه،حتى أتاه كتاب من المقوقِس في مصر سنة عشرين من الهجرة،وأمسك بالكتاب مضطربا متشائمًا،فكَمْ أتَتْه كتبٌ مثلُه تحمل أخبار الهزائم التي حاقت بالروم في مصر والشام والجزيرة،وهرقلُ رجل قد كَبِرَتْ سِنُّهُ ويَوَدُّ لو أنقذ الإمبراطورية المتهاوية أمام ضربات المسلمين،كما أنقذها من قبل من أنياب الفرس،ولكنه يرى ذلك أملا بعيدا ... ولما فتح كتاب المقوقِس تضاعف عليه الحزن والأسى،فالكتاب يدعوه إلى مصالحة المسلمين،ومعنى هذه المصالحة هو الاستسلام لهم،وهذا ما لا يرضاه هرقل ولا يرغب فيه،أَبَدَلًا من أن يأخذ ثأر دمشق وحلب وثأرَ القدس وثأر أنطاكية وحمص يُسالم المسلمين ويصالحهم على جزية يدفعها لهم؟!