الصفحة 558 من 604

خمسمائة من جنوده ناحية جبل المقطم،في ظلمة الليل،وفي إشراقة الصباح بعث خمسمائة آخرين إلى أم دُنَيْن،وأمرهم أن يتدخلوا بالقتال إذا اشتدت المعركة مع الروم..

ولم يطل بالحرب وقت الصمت،إذ أقبلت جحافل الروم من حصن بابليون تثير حولها الغبار،وتقدم عمرو جهة موضع العباسية مع الصباح الباكر لِلِّقَاءِ الكبير،والْتَحَمَ الفريقان واشتعل القتال كأشد مايكون في صحراء العباسية،وظل الروم يطمعون في النصر،ويأملون في القضاء على هذا العدو العنيد الذي يقاتل في أرض غريبة دون أن تلحق به أي هزيمة،حتى أقبلت الكتيبة المسلمة الأولى من قِبَلِ الجبل فاجتاحت مؤخرةَ الروم،وأشاعت فيهم الفزع،فتقهقروا جهة أم دُنَيْن لينظِّموا صفهم،ولكن الكتيبة الأخرى خرجت من مخبئها وعاجلتهم بقتال مرير،ظن معه الروم أنهم لو صعدوا إلى السماء لوجدوا المسلمين في مواجهتهم،فتمزقوا كل ممزق،وتاهوا وسط جموع المسلمين المنظمة،وكان الانتصار باهرا،تمكن المسلمون بعده من بسط أيديهم على المنطقة،فبث عمرو عساكره حتى فتحوا أم دُنَيْن ثانية،وسيطروا على الفيوم بعد أن فرَّتْ حاميتُها الرومية،وبسطوا سلطانهم على جنوب الدلتا،ولم يبق للروم بمصر بعد ذلك قوة حقيقية سوى حصن بابليون والإسكندرية.

في حصن بابليون اجتمعت قوات كبيرة من الرومان،فيهم المُقَوْقِس وقادة الروم وأشرافهم،والحصن قوي الأسوار شديد الامتناع،وفيه زاد وذخائر من كل نوع،ويصله بجزيرة الروضة جسر من السفن،وكان الوقت وقت فيضان في سنة عشرين من الهجرة،ولا أحد يجرؤ على الاقتراب من الحصن،ومع ذلك فإن سقوطه،يعني أنه لم يبق للروم بمصر سوى الإسكندرية وبعض الحاميات والحصون. وأقبل عمرو بن العاص بجنوده بعد أن اتخذ من عين شمس مركزا لقيادته،وهو يعلم جيدا أنه وجنوده يقاتلون في ظروف لم يعهدوها من قبل،فإن كانوا نزلوا على حصون من قبل،وعبروا أنهارا،فإنهم لم يقاتلوا أهل حصن متدرع بالماء مثل أهل بابليون.

وراحت شواطئ النهر العتيق تستضيف المسلمين حيث وقفوا،وحالوا دون التحرك الحر للعدو،وضيقوا عليه وبادلوه الرمي والقتال المحدود،فلما انقضى شهرعلى ذلك اجتمع المُقَوْقِس بكبار أصحابه وشاورهم في مصالحة المسلمين،وبعد مفاوضات اختلف الروم بشأنها،تجدد القتال وخرجت أعداد كبيرة من الرومان تاركة الحصن للقاء المسلمين،فقاتلوهم قتالا شديدا،واستبسل الروم،وألح المسلمون بالقتال وصبروا عليه،حتى كسروا عدوَّهم،وقتلوا منهم وأسروا كثيرين،وفر من بقي إلى الحصن.. وانخفضت روح الروم المعنوية،وأصابهم إحباط مميت،وانتظروا أن تأتيهم نجدة من الإسكندرية دون فائدة،ومرت سبعة أشهر حتى انخفض ماء النيل كثيرا،وأصبح غزو الحصن هدفا ممكنا،لكن الروم أسرعوا وملأوا الخنادق بالحديد الشائك..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت