معتادة في مثل هذه المواقف جرت مفاوضات بين المسلمين وعدوِّهم،فعرض عمرو على وفدٍ من الأساقفة الاختيارَ بين الإسلام والجزية والحرب،وأجَّلهم أيامًا ليتشاروا مع قومهم،فإذا بالأَرْطِبُون وقد اجتاحت نفسَه ثورةٌ من الغضب،وأبى إلا الحرب،فجهز اثني عشر ألفا في عُدَّةِ القتال،عازماعلى مفاجأة المسلمين وقتالهم بلا سابق إنذار.. ولم يكن عمرو غافلاعن طبيعة عدوه الماكر المخادع،فكان جنوده دائماعلى إستعداد للحرب والقتال،وعلى الرغم من ذلك حمل هجومُ الروم قدرا كبيرا من المفاجأة التي اهتزت لها صفوفُ المسلمين،لكنهم تماسكوا،وقاوموا السقوط والهزيمة وداسوا على أسنانهم،وظلُّوا يقاومون حتى اعتدل الميزان لصالحهم،وانهارت صفوف الروم أمام صبرهم وإقدامهم،وعَلَتْ سيوفُ عمرو وأصحابه تقتل وتصيب،حتى فَقَدَ الرومُ قائدَهم وألْفَ قتيلٍ معه،وثلاثةَ آلاف أسيرٍ،وظل الصراع مع الروم حول بِلْبَيْس شهرا كاملا حتى خلصت للمسلمين.
أقيمت الحصون حول مدينة مصر كأنها بيوت الأُسُود التي تدافع عن العاصمة الأولى لمصر قبل الإسكندرية،وما كان لأحد أن يقتحم هذه الحصون إلا بقوة هائلة وعتاد ضخم،وحين نزل المسلمون على حصن أُمِّ دُنَيْن لم يكونوا يملكون قوة مادية هائلة ولا عتادا أو آلات حرب ضخمة،ومع ذلك قاتلوا عدوهم قتالا شديدا،وحاولوا اختراق الحصن من عدة جهات،إلا أن النصر ظل حبيسا لا يأتيهم،بطيئا لا يسرع،فكتب عمرو إلى أمير المؤمنين يطلب مددا،وظل يشغل الروم بالقتال حتى ملَّ بعضُ جنود المسلمين،فنادى عمرو أصحاب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ليُرُوا الدنيا ما رأت منهم من آيات الشجاعة والبطولة في جزيرة العرب وبلاد فارس والروم،فلازمهم توفيق الله حتى غلبوا الروم على حصنهم المنيع،واقتحموه بالقوة.
وكان فتح أمِّ دُنَيْن تمكينا كبيرا لجيش عمرو على جبهات القتال،فعبر النيل إلى ضفته الغربية،وظل يقاتل الروم قرب الفيوم قتالا متقطعا،ولقي كتيبة رومية تولت الدفاع عن الفيوم فاستدرجها في الصحراء حتى أفناها تماما، فبث الرعب في الروم،واتجه جنوبا حتى لقيهم عند البهنسا فقاتلهم وانتصر عليهم،وإن خسر بعضَ رجاله..
وبينما كان عمرو وجيشه منشغلين بهذا النوع من القتال الخفيف المراوغ،جاءته الأنباء بوصول المدد من أمير المؤمنين،فعبر إليهم النيل حتى لا يقطع الرومانُ الطريقَ بينه وبين المدد الذي يقوده الزبير بن العوام.
التقى عمرو بن العاص بمدد المدينة على رأسه الزبير بن العوام،فامتلأت النفوس بالرضى،واستبشروا خيرا،وسار بهم عمرو حتى عسكر فوق أطلال عين شمس،والأعداء مترددون بين البقاء داخل حصن بابليون وبين الخروج للقتال في العراء،وخوفا من أن يُوصَفُوا بالجبن خرج تيودور أمير جند الروم في عدد كبير من أصحابه قاصدا معسكر المسلمين،بينما راح عمرو بن العاص،يُعِد خطته للقتال،فسَيَّر