الطرب،ولكنها لا تدري مَنْ صاحب هذا الصوت أهو إبراهيم أم موسى أم عيسى الذين مَرُّوا من هنا مِنْ قَبْلُ؟
لقد كان الصوت صوتَ أصحاب النبي الخاتم،الذين قادهم عمرو بن العاص منطلقا من قَيْسَارِيَّةَ على رأس أربعة آلاف مقاتل،ملازما ساحل بحر الروم،حتى اجتازوا رفَحَ،وهبطوا إلى أرض سيناء،وسمعت البلاد عندما فتحوا العريش بلا مقاومة صوتَ التكبير والتحميد مبكرا حين أدرك المسلمين فيهاعيدُ الأضحى،فأحياه عمرو والجنود على أرض مصر لأول مرة..
واستأنف الجيشُ المسيرَ،فمرَّ بالبقارة،ثم الواردة وسط تلال الرمال،ثم الْفَرَمَا.. طريقٌ يعرفه التاريخ جيدا،فهو الذي يسلكه المهاجرون والفاتحون والحجاجُ والسائحون بين فِلَسْطِينَ ومِصْرَ منذ أقدم العصور.. اخترقه المسلمون بلا عائق ولا مقاومة،حتى وجدوا الرومان في الْفَرَمَا قد أعدُّوا للحرب عُدَّتَها من حصون وأسوار وأسلحة وأدوات قتال،وكلها أشياء عرفها المسلمون في حروب الشام،فما حالتْ بينهم وبين النصر،فنزلوا حول أسوار الْفَرَمَا،وقد احتمى بها الأعداء،وراحوا يشنون هجماتٍ محدودةً على المسلمين من وقت إلى آخر،والمسلمون صابرون يواجهون ذلك في ثبات،والقائد عمرو يبعث بكتائب صغيرة تُغِيرُ على ماحوله من البلاد لتوفر أقواتَ الجيشِ.
مرَّ شهرٌ أو أكثر ولازالت هجمات الروم متقطعةً،لكنهم صبروا في انتظار مددٍ يأتيهم من المُقَوْقِسِ،فلما طال الوقت،ولم تصلْهم نجدة،اتخذ أمير الْفَرَمَا أصعب قرار في حياته،لقد رأى أن يغامر ويخرج إلى المسلمين بجيشه،ويقاتلَهم وجها لوجه.. وفي ساعة الحرب وقع القتال شديدا،وصبر المسلمون لعدوِّهم صبرا أشدَّ،حتى يئس العدو،وأمر القائد جنودَه بالانسحاب من أرض المعركة والاحتماءِ بالأسوار والحصون من هذه الأُسُودِ الكاسرة،وفي سباق نحوَ المدينة مَلَكَ المسلمون بابَ الحصن حتى اقتحموه،ودخلوا الْفَرَمَا فكان الفتح،ولم يبق للرومان إلا التسليم،وهدم عمرو الحصون،واتخذ الْفَرَمَا معقلا يؤمِّن الطريق إلى فلسطين وبلاد العرب.
كان للنصر في الْفَرَمَا ردُّ فعلٍ كبير،إذ رفع الروح المعنوية للمسلمين،فلم تُقْلِقْهم قلةُ عددِهم ولا كثرةُ عدوِّهم،وأصاب الإحباطُ جموعَ الروم في مصر،وسيطر عليهم شعور بأنهم ينحدرون إلى نفس مصير إخوانهم بالشام..
ومن الْفَرَمَا تقدم عمرو جهة الغرب،فهبط أرضا مغطاةً بقشور الصدف الأبيض،ثم اتجه جنوبا متخطيا مدينة مَجْدَل،وأعاد دَفَّةَ السيرِ ثانية إلى الغرب حتى مر بالقصاصين ووادى الطليمات قرب التَّلِّ الكبير،وما هى إلا أميال قليلة حتى أصبح المسلمون على مقربة من مدينة بِلْبَيْس.
وكشَّر الأَرْطِبُون عن أنيابه،ورأي الفرصة سانحة ليوقع بالمسلمين في بِلْبَيْس،ويأخذ بثأره من عمرو وجنوده،بعدما رأي منهم ما رأي في حروب الشام. وتضخمت الأمنيات في نفس القائد الرومي حين رأي المسلمين قليلي العدد لا يصلهم مدد،وحين رآهم منقطعين عن بلادهم وإخوانهم.. وفي خطوة