الصفحة 555 من 604

عقيدته الدينية،فقد اختار المسيحية التي جاء بها بولس دينًا له،فاضطهده المحتلون،وأذاقوه ألوانا من العذاب،ولما تحول البيزنطيون أنفسهم إلى المسيحية لم يسكت صوت اضطهادهم للمصريين،بل علا أكثر؛ لاتِّباعهم مذهبًا في طبيعة المسيح ـ عليه السلام ـ يختلف عما سار عليه المصريون...

ولم يكن غريبا في هذه الأجواء أن تضطرب الأحوال بمصر،حتى صارت مسرحًا للشغب وإثارة الفتن،وكان التنكيل يزداد،ويتضاعف الاضطهاد مع هذه الموجات من الاعتراض والهياج،حتى فَرَّ بنيامين بطرك الأقباط المصريين قُبَيْل مَقْدم عمرو بن العاص،وعُذِّبَ أخو بنيامين حتى الموت على يد المحتلين القساة.

هو ما قال لهم ولا لغيرهم كذبا قط،وهم ما سمعوا منه شيئا ولا بشَّرهم بأمرٍ إلا صار لديهم يقينا كأنهم يرونه.. ها هو ذا رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في جَمْعٍ من أصحابه يبشرهم:"ستُفْتَحُ عليكم بعدي مصرُ"،فعلموا أنه قَدَرُ اللهِ المقدورُ،مهما بَدَا لغيرهم حُلْما بعيدا أو أملا مستحيلا...

ستُفْتَحُ مصرُ ولو كانت بينها وبين المدينة بحار وصحارى،ولو وقفت في طريق ذلك فارسُ والرومُ..

ظلت هذه البشارة تعيش في نفوس مَنْ سمعها من الصحابة حتى الْتَقَى عمرُ بن الخطاب في الجابية بقادة فتوح الشام في السنة السادسة عشرة من الهجرة،حيث راح عمرو بن العاص يعرض على أمير المؤمنين المَهِيبِ أن يَمُدَّ خطواتِه،بعد أن فتَحَتْ بيتُ المقدسِ للمسلمين أبوابَها،ليفتح مصر التي هرب إليها أَرْطِبُون في جمع من الروم.. وتذكر عمر بشارة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ،وداعبت روحَه الأمنيةُ،لكنه خاف أن يكون كالمغامر بجنوده يعرضهم للخطر،خاصة أنه لا يستطيع أن يُعِدَّ للفتح جيشا كبيرا،فقد ابتلعت جبهات القتال في فارس والروم والجزيرة أكثرَ ما لديه من الجنود.. وأخذ عمرو يُطَمْئِنُ أمير المؤمنين،ويزيل تخوُّفَه،ويهوِّن عليه فتحَ مصرَ،حتى مال عمر إلى رأيه،غير أنه طلب منه ألا يبدأ بالغزو حتى يكتب إليه من المدينة بعد عودته إليها...

وفي المدينة يجمع عمر بين الاستخارة والاستشارة،فيصلي لربه مبتهلا،داعيا الله أن يختار له وللمسلمين الأنفعَ والأفضلَ،ويستشير كبار الصحابة،حتى يستريح الرأي إلى الموافقة على السير لفتح مصر،ولكن وقع ما عطَّل المسير،وشَغل المسلمين جميعا عن التوجه إلى مصر،فقد حاصر الرومُ حِمْصَ وحاولوا استردادها،فأصبح إتمامُ فتوحات الشام من الشمال أَوْلَى من فتح مصر،كما وقع في الحجاز قحطٌ وجفافٌ سُمِّىَ العامُ لأجله عامَ الرَّمَادَةِ،وأصيب عدد كبير من المسلمين في طاعون عَمَوَاس.

وبعد أن أفاق المسلمون من كل ذلك كتب عمر إلى عمرو بن العاص يأمره بالسير إلى مصر لفتحها،فتحرك إليها في ذي الحجة من سنة ثماني عشرة من الهجرة ووطأت أقدامه مصر في صدر السنة التالية.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد... أصوات ترتفع،ونداء ينتشر في الآفاق،لم تسمع هذه الأرض بمثل معانيه منذ زمن طويل،وها هي اليوم تسمعه فيَهزها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت