وامتد الفتح بعمرو بن العاص غربا حتى فتح بَرْقَةَ وطرابُلس في سنة اثنتين وعشرين من الهجرة. وفي خلافة أمير المؤمنين عثمان امتد الفتح إلى إفريقية أو تونس،وجَرَّدَ المسلمون حملةً لفتح بلاد النوبة في جنوب مصر،وإن لم تكن قد أَخضعت النوبةَ تماما،فإنها أمَّنت البلاد من الجنوب،كما حاول الروم استرداد الإسكندرية ولكنهم فشلوا.
بينما العام السادس يودِّع وهدنة الحديبية لم يجف الحبر الذي كُتبت به بعدُ،راح النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يختار بعضَ أصحابه لمهمةٍ صعبةٍ،وسفرٍ طويلٍ،ورحلة تُوَسِّع المدى أمام عالمية الدعوة؛ كي تبدو كمبدأ عملي لا مجرد كلمات نظرية.. اختار النبي الكريم نفرًا من أصحابه لهم كفاية خاصة في تحمل المشاق،وحسن القول،وسرعة البديهة،وإتقان المحاورة والمخاطبة،ليوجهَهم إلى الملوك والأمراء في فارس والروم ومصر والحبشة وغيرها دعاةً إلى الإسلام،وكان حاطب بن أبي بلتعة هو صاحب هذه المهمة في مصر،فانطلق يركب فرسه،ويشق طريقة جهة الشمال،والبحر إلى يساره،والصحراء تملأ الأرض تحت قدميه ومِنْ حوله،فلما بلغ مشارفَ الشام ثَنَى عنق فرسه جهة الغرب إلى سيناء،ولعل الذكرياتِ تزاحمت على رأسه،فتَذَكَّر كلامَ اللهِ ـ عز وجل ـ لموسى،ومناجاةَ الكليمِ لربه ـ تعالى... وبدأت الصحراء تختفي من تحت أقدام ابن أبي بلتعة،لتحل محلها خُضْرةٌ ونضارةٌ،ولتبدو صفحةُ النيلِ لِعَيْنَي الصحابي الجليل،فيعجب من خلق الله ونعمته،ويوقن أن الأرض لله يورثها من يشاء،وقد كانت بالأمس بِيَدِ فرعون،وهى اليوم مع المُقَوْقِس،وقد تصير غدا إلى غيره.. وفي جولة جديدة من المشاهد الجميلة يرى حاطبٌ الإسكندريةَ بِبِناياتِها الرائعة وطرقها الممهَّدة،فيتذكر الأقوامَ الذين أنعم الله عليهم بمثل هذا وأكثر فكفروا،فأهلكهم الله.. وبعد حوار قصير مع المُقَوْقِس قرأ حاطب كتاب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إليه،فعرف المُقَوْقِسُ فيه علاماتِ الصدق،لكنه خاف على مُلكه،وظن أنه إن آمن بالله ورسوله ضاع منه سلطانه وثار عليه قومه،فاكتفي بالرد الجميل الحسن،وبهدايا بعث بها إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - .
لم يكن العربي القابعُ في صحراء الجزيرة الواسعة يجهل مصرَ ونيلَها وأرضها الخصبة،فلما أسلم هذا العربي،وحمل سيف الجهاد ضد الفرس والروم زادت معرفته بأحوال مصر وظروفها الداخلية.
لقد كانت مصر جائعةً إلى العدل والحرية،عَطْشَى إلى الدين الصحيح والعقيدة السوية،إذْ كان وقوعها تحت حكم البيزنطيين منذ سنة مائتين وأربع وثمانين من الميلاد كارثةً هائلةً كبَّلت البلاد سياسيا،فلم يكن للمصري أيُّ دخلٍ في إدارة بلاده،كما كبَّلتها اقتصاديا،فأصبحت ثرواتُ مصر الضخمةُ نهبًا مُسْتباحًا من البيزنطيين وصارت الضرائب تُجْبَى من المصري على كل البضائع،وتعدَّت الأحياءَ وطالت الأمواتَ،فلم يكن يسمح بدفن الميت إلا بعد دفع ضريبة على هذا الدفن..!
بحارٌ متلاطمة من الظلم عاش بينها المصريون،وأيامٌ نَحِسَاتٌ مَرَّتْ بهم تحت ظلال الحكم الأوروبي الغريب عن البلاد في عاداته وهيئاته وتقاليده،وزاد على ذلك اضطهادُ المصري في أعز ما لديه،وهى