قسطنطين وسط زحام القتال الرهيب حتى أصابه،وحين رأى قسطنطين الدم يسيل من جسده،والجراح قد آلمتْه أَمَرَ جنوده بالانسحاب والإبحار بعيدا عن هؤلاء المسلمين الذين لا يفيد معهم شيء،لا جيش برى ولا أسطول بحرى !!
لقد أَطْمَعَ خنجرُ أبى لؤلؤة النجس الذى قُتل به أمير المؤمنين الطاهرُ عمرُ بنُ الخطاب ـ أَطْمَعَ الرومَ في استرداد الشام ومصر،فراحوا يشنونها حملة شرسة في البر والبحر وما علموا أن موت الخليفة الراشد القوى لا يعنى موت الإسلام ولا وفاةَ أهلِه..
سمع معاوية بن أبى سفيان صوت جحافلِ الرومِ المقبلة من آسيا الصغرى تَزْأَرُ زئيرًا عاليا،وفى خطتها أن تكتسح الشام كلَّه وتعيدَه إلى الحظيرة الرومانية،فكتب معاوية إلى عثمان بن عفان في سنة أربع وعشرين بعد قليل من تولى عثمان إمارة المؤمنين يطلب المددَ،فأسرع عثمان النجدةَ،وكتب إلى واليه على الكوفة الوليد بن عقبة،الذى طَيَّرَ من عنده ثمانية آلاف مقاتل يقودهم سلمان بن ربيعة الباهلى،وخرج جيش المسلمين من أهل الشام يقودهم حبيب بن مسلمة الفِهرى،فما كان أجمل الوحدة وأقواها حينما التقى المسلمون بالروم،وشنوا الغارات على أرضهم،وأصابوا ما شاءوا من السَّبْى،وملأوا أيديهم من الغنائم،وافتتحوا من أرض الروم حصونا كثيرة..
منذ فجر الزمان البشرى،وقف الإنسان فوق أرض مصر يبني ويشيِّد ويفكر ويبتكر حتى وَلدت هذه الأرض أقدمَ الحضارات،وبقيت آثارُها على ظهرها وفي عقول الأمم ثابتةً لا تنمحي... كانت مصر بهذا الثِّقَلِ وذلك الموقع وتلك القيمة... على موعد مع الإسلام،لتقف إلى يوم القيامة تحت راية محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مجاهدةً مرابطةً،فكتب الرسول الكريم إلى أميرها المُقَوْقِسِ فيمن كتب إليه داعيا إلى الإسلام،وأوصى المسلمين بأهلها خيرًا إذا فتحها الله عليهم...
وكانت هذه الوصية بشارةً بالفتح راح عمرو بن العاص يعمل لتحقيقها،وبعد إذنٍ طال انتظارُه من أمير المؤمنين عمر تحرك عمرو في المهمة الصعبة: فتحِ مصرَ،فسار بقواته على ساحل بحر الروم،ودخل مصر من العريش،وظل يلتزم الشاطئ حتى اصطدم بعَدُوِّهِ في الفَرَمَا وانتصر عليهم،وفي بِلْبَيْس هَزَمَ أَرْطِبُونَ والرومانَ وفتح حِصْنَ أُمِّ دُنَيْن بعد معركةٍ حاميةٍ،ثم عَبَرَ النيلَ وسلك في الصحراء إلى الفَيُّوم فالتقتْه بعض قوات الروم هناك فجَلَّلَهم بالهزيمة أيضًا...
وفي مرحلة جديدة من الفتح وصل إلى عمرو مددٌ من المدينة المنورة عِدَّتُهُ أربعة آلاف جندى،تحرك بهم في أرجاء مصر حتى دوَّخ عدوَّه،وخاض ضده حروبا كبيرة في عَيْنِ شَمْسٍ وعند فتح حصنِ بَابِلْيُون وفتح الإسكندرية ومدن الساحل،فدانَتْ الأمور للمسلمين،وانتشرت قواتهم في شمال مصر وجنوبها حتى صَفَتْ لهم البلاد.. وصارت تحت جناح الإسلام العادل بعد أن كان أهلها يعيشون أحوالا غاية في السوء والذلة...