كأنها قطعة من اليابسة قضمها البحر من شاطئ الشام،ثم لعب بها الموج حتى تركها في موضعها وسط أرض من الماء الأزرق المالح... كتب معاوية بن أبى سفيان يستأذن الأمير عمر بن الخطاب في فتح قبرص،هذه الجزيرة ذات الشواطئ الساحرة،وراح معاوية يصف الجزيرة وقربَها،ويُرَغِّب عمرَ في فتحها،فهى لؤلؤةٌ طافية على وجه الماء يهدد الرومانُ منها شواطئ الشام ومصرَ،لكن عمر خشى أن يُعَرِّضَ جنودَه للخطر،فرفض الإذن بالغزو. وتغير الزمن،فجاء بعثمان خليفة جديدا واتسعت صلاحيات معاوية فصار أميرًا على الشام كله،فراح يبذل جهده ليسمح عثمانُ ذو النفس الهادئة والروح الحيية بغزو قبرص،لكنه أبى هو الآخر،فلم يزل ابن أبى سفيان يُلِحُّ عليه،ويحبب إليه الفتحَ،ويسهله أمامه،حتى وافق عثمان على أن يُخَيَّر الناسُ،ولا يُؤْمَرُوا بالغزو..
وفى أول غزوة بحرية للأسطول الإسلامى الجديد قاد عبد الله بن قيس الجاسى قوات المسلمين وشق بهم البحر جهة الغرب كما أمره أمير الشام معاوية،وكان في الجيش بعض السادة من الصحابة كأبى ذر الغفارى،وشداد بن أوس،وعبادة بن الصامت وزوجِه أم حرام بنت ملحان وغيرهم ففتح الله عليهم الجزيرةَ،وصالحوا أهلها على الجزية،وأن يُعْلِمُوا المسلمين بتحركات الروم العدوانية..
كان هذا سنة ثمانية وعشرين من الهجرة،وبعد خمس سنوات أعاد معاوية فتح قبرص التى نقض أهلها العهد وضمَّها إلى دولة الخلافة الراشدة،ونقل إليها اثنى عشر ألفا من مسلمى الشام،وأسكنهم أرضها،وبنى لهم البيوت والمساجد هناك.
وغزا حصن المرأة من أرض الروم من ناحية مَلَطْية في نفس العام.
فرض الرومان وصايتهم على التاريخ والجغرافيا،فحسبوا أنهم يحركون الأحداث كيف شاءوا،وأطلقواعلى الأماكن أسماءهم،حتى دعوا البحر المتوسط ببحر الروم?،لِمَا فرضتْه أساطيلُهم عليه من السيطرة،ولِمَا ملكتْه جيوشُهم من البلاد الواقعة على شواطئه.
لكن شيئا جديدا يحدث اليوم،لقد ظهر فوق صفحة ماء البحر العملاقة أسطول شاب ينازع الرومانَ سيطرتَهم على البحر،ويُلغى وصايتَهم على الجغرافيا كما أُلْغِيَتْ من قبلُ على التاريخ والأحداث...! إنه الخطر الشديد إذن يهدد الرومان وشواطئهم،لذا خرج الإمبراطور قسطنطين الثانى بنفسه يقود قومه في خمسمائة سفينة،والمسلمون في مائتى سفينة من الشام ومصر،يقودهم عبدالله بن سعد أمير مصر وذلك سنة إحدى وثلاثين،وفى تَحَدٍّ هائلٍ التقى الخَصمان عند كيليكيا واتفقا على أن يصنعا من السفن ساحةَ حربٍ تفصل وتحسم الموقف لصالح أحدهما،فرُبطت سفنُ الرومان بسفن المسلمين،وشُدت الحبالُ بينهما،وبعد أول ضربة بالسيف اشتعل القتال واشتدت نيرانه ووثب الرجال وأُخرجت الخناجر من مخابئها،وتدفقت الدماء من أجساد المصابين وجثث القتلى الذين تقاذفهم موج البحر حتى بدت الدماء الحمراء على صفحة الماء،وصبر المسلمون صبرًا شديدًا في وجه عدوِّهم الشرس،حتى استشهد منهم كثير،وهلك من الروم ما لا يحصَى وتسلل رجل من المسلمين جهة