الصفحة 551 من 604

ووقف أمير المؤمنين العادلُ بقامته الطويلة يرقُبُ أوضاع الناس في الشام،فوجد الأمور قد عادت إلى نظامها،وأن الناس قد اطمأنُّوا بعد فزع،وأن الروم قد قُطعت آمالهم في العودة إلى الشام،وإن كان يمكنهم الغارة على السواحل،فرجع عمر بن الخطاب إلى المدينة،وقلوب المسلمين تحمل له الشكر وتدعو له بالخير..

"رحم الله أبا بكر،كان أعلمَ بالرجال منى"ـ إنها من عبارات أمير المؤمنين العظيم عمر بن الخطاب،قالها لما رأى خالدا يلحق الهزائم بالروم،موقعةً بعد موقعةٍ،بالرغم من عزله عن قيادة المسلمين بالشام.

لما وقف خالد بأبواب قِنَّسْرِين،زحفت إليه الروم وعليها قائد من أكبر قادتهم وأعلمهم بالحرب،وهو ميناس،تشد من أزره وتقاتل معه قبائل من نصارى العرب،ولولا أملٌ في نفوسهم بالنصر لما خرجوا،فاقتتل الخصمان حتى أُبيد الروم وقُتل قائدُهم.

وجاء الأعرب إلى خالد يلتمسون لديه العفو عنهم،معتذرين إليه بأنهم أُكرهوا على القتال وأجبروا،فقبل منهم خالد اعتذارهم،ثم عادوا ليتحصنوا بالمدينة يمنعون المسلمين من دخولها نوبة أخرى،فعاد خالد إلى مهاجمتهم حتى فُتحت له المدينة ثانية.

وكان القوم أهلَ شغب ومشاكسة،ولذلك لما سار المسلمون بقيادة أبي عبيدة لفتح حَلَب،وفتح أَنْطَاكِيَّة،بلغه أن أهل قِنَّسْرين نقضوا العهد وغدروا،فبعث إليهم السِّمْطَ الكِنْدِى فحاصرهم،حتى فتح المدينة مرة أخرى وأصاب منها غنائم.

لقد تحققت السيادةُ الإسلامية على اليابسة في الشام والعراق وفارس ومصر،لكن البحر صار يهدد هذا الإنجاز الكبير،وخاصة من جانب الرومان الذين دانَتْ لهم السيطرة على بحر الروم دون منازع،حتى أغاروا على الشواطئ الإسلامية في مصر والشام غاراتٍ شديدةً كلفت المسلمين الكثير والكثير.. أفلا يكون التفكير في ركوب البحر أمرا مهما للمسلمين لمعادلة قوةِ الرومان وردِّ عدوانِهم البحرى ؟ لقد أدرك معاوية بن أبى سفيان ضرورة هذا الأمر؛ لأن العجز في البحر يجعل الإنجازات والانتصارات التى تحققت في البر مهددةً بالسقوط والانهيار.

وحمل معاوية قضيته إلى أمير المؤمنين عمر الذى رأى أن الوقت لم يحن لذلك،فأعاد معاويةُ المحاولةَ عندما تولى عثمانُ بن عفان إمارةَ المؤمنين،وحصل منه على موافقةٍ صعبةٍ،راح أمير الشام بمقتضاها يتعاون مع عبد الله بن أبى السرح أمير مصر في بناء أسطول استفاد من خبرة مصر ودُورِ صناعةِ السفن الموجودةِ بها،وراح العربى يتعلم من أهل الشواطئ كيفيةَ تشييد السفن،حتى ظهر في البحر أسطولٌ شابٌ يقول:"باسم الله مجراها ومرساها"حقق به المسلمون انتصارات كبيرة على عدوهم وخاصة في ذاتِ الصَّوَارِي،ونَمَا مع الزمن حتى أصبحت السيادةُ على البحار بِيَدِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت