الصفحة 550 من 604

عبيدة من شر سيقع،فكان طاعون كاسح،نتج بقدر الله عن الوخَم والفساد الذى أصاب الهواءَ بسبب القتلى .

لقد ابتدأ الطاعون رحلته المؤلمة من عَمَوَاس بفلسطين،ثم امتد إلى الشام،فجعل يفتك بالناس فتكًا مروعًا،وبقى على ذلك شهورا،حتى فَنِى من المسلمين خمسةٌ وعشرون ألفا،فيهم جماعة من كبار الصحابة وأشراف الناس،كأبي عبيدة بن الجراح،ومعاذ بن جبل،ويزيد بن أبى سفيان،والحارث بن هشام،وسهيل بن عمرو،والفضل بن العباس،وأبى مالك الأشعرى،وغيرهم ـ رضى الله عنهم ـ قوم نجوا من سيوف الروم ورماحهم،وما قتلتهم شجاعتُهم في الحرب،ولاجُرْءتُهم في القتال،وإنما شاء الله ـ جل وعلا ـ أن تكون شهادتهم بطريقة أخرى اختارها بمشيئته.

ويقف الروم يتفرجون من بعيد،مخافة أن يصيبهم الوباء،لا يعلمون أن الله يبتلى أحبابه ولا يبتلى أعداءه،وإنما يأخذهم بذنوبهم أخذا.. ثم خرج عمرو بن العاص بالناس إلى الجبال فتفرقوا،فرفع الله عنهم البلاء ... وقَدِمَ عمر بعدها إلى الشام ـ وكان قد رجع عنها عند اشتداد الطاعون ـ لينظم شؤونها ويؤمِّنها ضد الروم.

أراد عمر بن الخطاب أن يأتي الشام لينظم شؤونها بعد الفتح،فلما كان بسَرْغ لقِيَه أمراءُ الأجناد فأخبروه بالوباء وشدَّته،وكان قد خرج غازيا معه المهاجرون والأنصار،فاستشارهم: أيرجع عن الشام أم يدخلها؟ فاختلفوا ولم يتفقوا في ذلك على رأى .

فاستشار مهاجِرِى قريشٍ الذين شاركوا في فتح مكة،فاتفقوا على العودة،بل قالوا:"ارجع بالناس فإنه بلاء وفناء"،وأمر عمر عبد الله بن عباس،فنادى في الناس لِيُعِدُّوا للسفر،فلما صلَّوا الصبح،التفت عمر إليهم وقال:"إنى راجع فارجعوا". وأخذ أبو عبيدة يجادل عمر،بأن هذا من قدر الله ولا ينبغى الفرار منه،فقال عمر:"نعم،نفر من قدر الله إلى قدر الله"وجاء عبد الرحمن بن عوف ليصدِّق على كلام عمر،فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقول:"إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد،فلا تَقْدَمُوا عليه،وإذا وقع ببلد وأنتم به،فلا تخرجوا فرارًا منه"فرجع عمر بالناس إلى المدينة.

شعر المسلمون بعد عَمَوَاس بجرحٍ عميقٍ لهذا الطاعون الذى نزل بهم،ولهؤلاء الرجال الذين فقدوهم،وأحسَّ أميرُ المؤمنين في المدينة بذلك،فقدم إلى الشام في زيارة جديدة يواسى الناس ويطمئِنُهم،ويُنْهى مطامعَ الروم في العودة إلى الشام.

تَفَقَّدَ أمير المؤمنين أحوالَ المسلمين،وزار بلاد سوريَّة جميعها،وأعانهم من بيت مال المسلمين،ورتب منازلهم بدمشق وحِمْصَ وسائر المدن،وسَدَّ ثغورَ الشام،وأمَّن مداخلها ومخارجها.. وولَّى معاويةَ مكان أخيه يزيد،واستعمل عبدالله بن قيس على الساحل،وأمَر الولاة بتحصين السواحل وحمايتها،وإتمام فتح ما لم يفتحْ منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت