الصفحة 547 من 604

سقط الكثير من دُرَرِ الشام في الشمال،مثل حِمْص وقِنَّسْرِين وحَلَب،فى يد المسلمين فأصبحت أَنْطاكِيَّة ملجأ تفر إليه فلولُ المهزومين في غيرها،ولزم أن يكسِر المسلمون هذه الشوكة قبل أن تقوَى وتزدادَ حدَّتُها،فأتاها أبو عبيدة في جنده،وضرب عليها الحصار،فطاردتهم هواجس الهزيمة في صحوهم ونومهم،والتمسوا منه أن يصالحهم على الجلاء أو الجزية،فجلا بعضهم،وأمَّنَ المسلمون مَنْ بقى منهم.

ودون أن يتعظوا بمن سبقهم،نقض أهل أَنْطَاكِيَّةَ العهدَ،فأتاهم عِيَاضُ بنُ غَنْم وحبيبُ بنُ مَسْلَمَةَ الفِهْرِى من قِبَلِ أبي عبيدة حتى فتحوا المدينة على الصلح الأول،وأصبح حبيب بن مسلمة أميرًا عليها،فتوجه لغزو الجُرجُومة التى كان يتولى أمرها والى أَنْطَاكِيَّة،وبادره أهل الجرجومة بطلب الأمان،فقَبِل منهم ذلك،وصالحهم.

"أَجْنادِين"الأمُّ الثانية لمعارك الشام التى أذنت بغروب شمس الروم عن البلاد،وإشراق شمس المسلمين فوق رُبَاهَا وفى مدنها وعلى شواطئها وبِوَادِيهَا،وهى من معارك الفتح في فلسطين،التى كانت مهمةُ فَتْحِها موكولةً إلى عمرو بن العاص وجيشه.

وقد كانت معارك الفتح في فِلَسْطِين صراعا بين رأسَيْن كبيريْن في عالم الدهاء،وهما عمرو بن العاص والأمير الرومانى الأَرْطِبون،وانتهت وقائعه بانتصار عمرو بن العاص وجنوده.

كما كانت هذه المعارك صراعا على بلاد امتلأت بالقداسة،وزاحم هواءها عبيرُ النبوة التى عاشت هنا من قبل..

اتجه عمرو بن العاص بعد"أَجْنَادِين"لفتح بيت المقدس،ففتح أولا ما حولها من المدن ليمنع عنها المددَ والمساعدة،وبعد حصار طويل،سلَّم أهلُ المدينة،وطلبوا الصلحَ على أن يأتى أمير المؤمنين بنفسه ليتسلم مفاتيحَها،وفى الجابيةِ التقى عمر بن الخطاب مع قادته في الشام،وتلقَّوْه بالاحترام والإجلال،ثم تسلم بيت المقدس من الأساقفة وكلف عمرُ بنُ الخطاب معاويةَ بن أبى سفيان بفتح قَيْسَارِيَّةَ وعَسْقَلانَ،ليكتمل فتح فلسطين حتى الشواطئ الغربية المالحة.

أيكون لعمرو بن العاص سيفان،أحدهما في يده والآخر في عقله،فلا يضرب بالذى في يده حتى يُعْمِلَ الذى في عقله؟! وصل عمرو بجيشه إلى أجنادين فوجد أَرْطِبونَ مرابطا بقواته هناك قد قسَّم جندَه ونظم عساكره فقطع عمرو طرق المساعدة الرومانية عنه،وأقام المسلمون في أَجْنَادِين يأتيهم المددُ،ولا يأتى العدوَّ لكن عمرا لم يجد لخَصْمِه ثغرة،ولم يعرف له خطة،فبعث بالرسل بينه وبينهم لعلهم يكشفون من الروم عن شيء مفيد،أو يطَّلِعون على خططِهم وترتيباتهم للحرب.

لقد أدرك عمرو جيدا أن معرفة العدو شيء ضرورى للانتصار عليه،لكن الرسل الذين بعث بهم إلى قائد الروم لم يسعفوه بشيء،فذهب عمرو بنفسه إلى أَرْطِبُون في عرينه متخفيا في صورة رسول من المسلمين،فدخل عليه وكلَّمه،وعرف مداخلَه ومخارجَه،وأوقع قائدَ الروم في حبائل دهائه الرهيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت