وكانت الأرض تضيق بهرقل كلما فتح المسلمون من الشام شبرا،فيتراجع إلى الشمال،فلما بلغه ما صنع خالدُ بِقِنَّسْرين خرج إلى الرُّهَا،واتجه منها إلى شِمْشَاط فنزلها،ثم تحول عنها بسرعة إلى عاصمته القسطنطينية،وودع سوريَّةَ والشام كلَّه وداعا أبديًا كله حسرة وحزن على ما ضاع منه من الملك.
مثلما فتحت قِنَّسْرِين جاء الدور بعدها على حلب،فسار إليها أبو عبيدة وعلى مقدمته عِيَاضُ بنُ غَنْم،وللناس صوت كصوت النحل من الذكر وتلاوةِ آى القرآنِ،فقد أبوا أن يسبِّح كلُّ شيء ربه وهم خُرْسٌ لا ينطقون.
فلما دنَوْا من حلب خاف أهلها وارتعبوا،وودُّوا لو خبأتهم الأرض عن أعين المسلمين أو غطتْهم السماء عن أبصارهم،لكن هذا بعيد وصعب،فاحتموا بحصون حلب وأغلقوا أبوابها في وجه أبي عبيدة وجنده.
وكان المسلمون قد تعلموا من مواجهاتهم السالفة مع الروم،أن الحصون لا يهزمها مثلُ الصبر،فحاصروا حلب،وعلم أهلُها أن المسلمين لن يرحلوا حتى يفتحوا بلدَهم،فبادروا بطلب الصلح والأمان على أنفسهم وأولادهم ومدينتهم وكنائسِهم وحصونهم فأعطاهم المسلمون ذلك،واستثنوا موضعًا بنوا فيه أول مسجد في تاريخ حلب.
وعاد القوم إلى نقض العهود أثناء فتح القُرى والنواحى حول حلب،وحاولوا أن يرجعوا إلى التحصن بالمدينة،لكن أبا عبيدة وأَدَ محاولتهم،وفتح المدينة مرة أخرى أمام المسلمين.
لم يكن المسلمون يحاربون في الشام عدوا طارئا نزل البلاد بالأمس،لكنهم كانوا يقاتلون عدوا أتى إلى هناك منذ زمن ليقيم أبدا،لذلك دخل في أحشاء الشام،وأقام بكل موضع حَضَرِى فيها،وبنى لنفسه من الأسباب ما يضمن بقاءه،وقد بلغ أبا عبيدة بعد فتح حلب أن الروم قد جمعوا لهم جَمْعا بين معرة مصرين وحلب،وينوون شرا،فزحف إليهم حتى قاتلهم وهزمهم وافتتح مَعَرَّة مصْرِين وصالحهم على مثل صلح حَلب.
وجالت خيول المسلمين وعَدَتْ حتى بلغت بوقا،وفتحت قرى:الجومة،وسرمين،وبِيرِين،وغلبوا على جميع أرض قِنَّسْرِين وأَنْطَاكِية.
ووضع أبو عبيدة عِياضَ بن غَنْم على مقدمة جيش توجه به نحو قورس،فصالحهم على صلح أنطاكية ونشر خيله حتى غلب على جميع أرض قُورس،وفتح تل عزاز.
وسبق عياضٌ أبا عبيدة فصالح أهلَ مَنْبِج على مثل صلح أَنْطاكِية فوافقة أبو عبيدة،وعلى ذلك صالح عياضُ أهلَ دلوك ورعبان،واشترط عليهم أن يخبروا المسلمين بتحركات الروم وأخبارهم.
وظلت قوات المسلمين تتحرك في هذه النواحى،حتى فتحوا الشام من البحر
( المتوسط ) إلى النهر (الفرات ) ففتحوا بالس وقاصرين،وشحن أبو عبيدة النواحى الخَطِرَةَ بالجنود.