وحينئذ استجاب أبو عبيدة لشوق خالد بن الوليد إلى القتال،فخرج المسلمون إلى عدوهم،ففتح الله عليهم قبل وصول القَعْقَاع بجيشه من العراق،وكان ذلك في سنة سبع عشرة من الهجرة.
الحرب عندهم ليست خيانة،ولكنها خُدْعةٌ وتخطيط مُحْكَمٌ،وهذا ما أظهره القائد عبادة بن الصامت حين سار إلى اللاذقية فوجدها محصنة،ولها باب يتحدى الجيوش أن تفتحه.. ذلك أنه أخذ يفكر ويحتال للأمر،ويُقلِّب المسألة في رأسه،حتى رأى أن يعسكر برجاله على بُعد من المدينة،ثم أمر أن تُحفر حفائرُ تكفى الواحدة منها الرجل وفرسه،وأوهموا أهل اللاذقية أنهم فقدوا الأمل من فتح بلدهم،وأنهم ماضون عنها الآن،فلما كسا الليل سماءهم عاد المسلمون واختبأوا في الحفر التى صنعوها،حتى سحب الليل ذيله،وقعد النهار مكانه،وخرج أهل اللاذقية مطمئنين وقد فتحوا بابهم ظانِّين أن المسلمين قد انصرفوا عنهم،فإذا بالمسلمين بينهم،لا يدرون أَنَزَلُوا عليهم من السماء أم خَرَجوا لهم من الأرض؟! فدخل جند الله المدينة عَنْوة وقهرا،وعلا القائدُ عبادةُ حائط الحصن مناديا بالشعار الخالد الله أكبر الله أكبر،فسمعت الدنيا،وخضع أهل اللاذقية،وطلبوا الصلح،فصالحهم المسلمون على الجزية وخراجِ الأرضِ وتركوا لهم كنيستهم،وبنوا لله في هذه المدينة مسجدا لأول مرة في تاريخها.
ثم أمَّنَ عبادة هذا الفتح،وورد الساحل ففتح مدينة بَيْلَدَة،وحصن أنْطَرْطُوس،وسَلَمِيَّة.
"رحم الله أبا بكر،كان أعلمَ بالرجال منى"ـ إنها من عبارات أمير المؤمنين العظيم عمر بن الخطاب،قالها لما رأى خالدا يلحق الهزائم بالروم،موقعةً بعد موقعةٍ،بالرغم من عزله عن قيادة المسلمين بالشام.
لما وقف خالد بأبواب قِنَّسْرِين،زحفت إليه الروم وعليها قائد من أكبر قادتهم وأعلمهم بالحرب،وهو ميناس،تشد من أزره وتقاتل معه قبائل من نصارى العرب،ولولا أملٌ في نفوسهم بالنصر لما خرجوا،فاقتتل الخصمان حتى أُبيد الروم وقُتل قائدُهم.
وجاء الأعرب إلى خالد يلتمسون لديه العفو عنهم،معتذرين إليه بأنهم أُكرهوا على القتال وأجبروا،فقبل منهم خالد اعتذارهم،ثم عادوا ليتحصنوا بالمدينة يمنعون المسلمين من دخولها نوبة أخرى،فعاد خالد إلى مهاجمتهم حتى فُتحت له المدينة ثانية.
وكان القوم أهلَ شغب ومشاكسة،ولذلك لما سار المسلمون بقيادة أبي عبيدة لفتح حَلَب،وفتح أَنْطَاكِيَّة،بلغه أن أهل قِنَّسْرين نقضوا العهد وغدروا،فبعث إليهم السِّمْطَ الكِنْدِى فحاصرهم،حتى فتح المدينة مرة أخرى وأصاب منها غنائم.
كان هرقل ينظر إلى الشام مفتخرا بأنها جزء من مملكته،بما فيها من المدن العامرة كبيت المقدس ودمشق وحمص وأَنْطَاكِيَّة وغيرها،وقد ذاب هذا الفخر مع فتح المسلمين لذلك الجزء من العالم،وتحول إلى حسرة بل حسرات نزلت على رأس هرقل متتابعة،ويالها من حسرات لا ترد ضائعا،ولا تعيد مفقودا!