الصفحة 548 من 604

وكانت عودة عمرو إيذانا ببدء القتال في أَجْنَادِين،والذى حَمِى واسْتَعَرَ،وكان الناس وقودا رخيصا لهذا الحرب،ولكن دون أن تميل الكِفَّة إلى أى من الجانبين.. ويمر الوقت ويدُ كلِّ فريق بين أسنان الآخر،فكان المسلمون أكثرَ صبرا،كما قوَّت انتصارات إخوانهم في الشمال من عزائمهم ومعنوياتهم... وقلَّب أَرْطِبُونُ بصره في الصفوف فوجد رجاله قد سيطر عليهم إعياء شديد،واضطربت صفوفهم،وأن المسلمين يحصدونهم بأسيافهم حصدا،ففضل أن ينسحب بجيشه إلى موقع يستطيع فيه المقاومة أكثر،فانسحب كما تنسحب الحيَّةُ إلى جحرها،ودخل مدينة بيت المقدس الحصينة محتميا بها في النصف الثانى من سنة خمس عشرة للهجرة.

طار كتاب أمير المؤمنين عمر إلى الأمير الشابِّ معاويةَ بن أبى سفيان بأن يفتح للمسلمين قَيْسَارِيَّةَ،فسار إليها بروحِه الوثَّابةِ،وحاصرها،فكانوا يزحفون إليه ويزحف إليهم مرات دون أن يفتحها أو يرجعَ عنها،وثبت المسلمون في مواضعهم،فإذا بالقدر الإلهى يمهد لفتح المدينة من باب لطفٍ إلهى خفي،لقد جاء يهودى إلى المسلمين ليلا،وأرشدهم إلى طريقٍ يدخلون منه المدينة على أن يؤمِّنوه وأهلَه،فدخل المسلمون قَيْسَارِيَّة ليلا وكبروا فيها،فتزلزلت الأرض بالروم،وظنوا أن المسلمين قد جاءوهم من كل ناحية،ففروا لا يفكرون في شيء إلا النجاة بأنفسهم،فوقع قتال شديد انجلى عن نصر باهر للمسلمين ثم كتب عمر إلى معاويةَ بفتح ما بقى من فِلَسْطِين بعد أن فتح بيت المقدس والرَّمْلة،فمال معاوية بجنده إلى عَسْقَلانَ،ففتحها صلحا.

هاهي الخُطَا قد أسرعت،واليوم الخالد قد جاء،فتحٌ يُذَكِّر بفتح مكة،فالمسلمون يحاصرون بيت المقدس،بل إنهم يعانقون هذه المدينة ومسجدَها المباركَ،تلك التى لازمتْها القداسة حتى في اسمها.. يسترجعون من المدينة ذكريات أنبيائها وصالحيها،فهذا الخليل وابنه إسحاق،وهذا يعقوب وبنوه،وهذه مريم وابنها،وزكريا ويحيى،وكثير وكثير ممن ملأوا هذه الأرض بنور السجود وضياء التسبيح والركوع..

وقد حرص عمرو قبل أن يأتى إلى القدس والرَّمْلة أن يفتح ما حولهما من المدن،ليمنع عن الروم أى مدد،فحرر رَفَحَ وغَزَّةَ وسَبَسْطِيَّةَ ونابْلُس ولُدَّ وتُبنى وعَمَوَاسَ وبيتَ جَبْرِين ويافا ومَرْجَ عُيون.. فكان بذلك يحفظ قداسة بيت المقدس أن يسفك فيها دم،أو أن تتلطخ بقتال شرس ينتهك حرمتها.

ونظر أَرْطِبُون ورجالُه المحصورون في كتبهم ونبوءاتهم،فوجدوا أن فاتح إِيلْياء أو بيت المقدس رجلٌ طويلٌ أسمرُ يلبس المرقَّع من الثياب،وهذه ليست صفة القائد الذى دوخهم عمرو بن العاص فبعث إليه أَرْطِبُون بثقة أنك لن تفتح شيئا آخر من فلسطين.. وتصيب الدهشة عمرا وهو الذى سقطت بسيفه أكثرُ مدن فلسطين،وليس يوم أَجْنَادِين عن الروم ببعيد،فلما علم بنبوءة أهل الكتاب أرسل إلى الرجل الطويل الذى يلبس المرقَّع من الثياب ويميل لونُه إلى السُّمْرة،وهو عمر بن الخطاب لكى يأتى إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت