الصفحة 455 من 604

لم تكن الجريمة الوحيدة للأسود العنسي هي أنه أدعى النبوة،بل الجريمة الأكبر منها هي أنه سن هذه السنة في العرب،فقلده كل طامع،وادعى النبوة العديدُ من الكهان والمشعوذين من أمثاله.

في صدر السنة الحادية عشرة من الهجرة طار في الآفاق خبرُ مرض رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ،فخرج الأسود العنسي من كهف خبان الذي كان يتخذه دارا ووُلد به ونشأ،فتعودت نفسُه الظلمةَ،وألِفَتْ الخداعَ والخيانة.. فكتب إلى قبيلة مَذْحِج وكتبت إليه ليثوروا ضد الإسلام والمسملين،ولم يكن كافيا أن يتحول الأسود إلى زعيم سياسى بعد أن رأى تأثير الزعامة الروحية على الناس،فأعلن بين الناس أنه نبى يوحى إليه،وأسر أتباعه وخدعهم ببيانه وأعمال الكهانة والشعوذة التي تربى وترعرع في ظلالها.

ولم يمر وقت طويل حتى نشب الصراع بين الأسْود وأتباعه وبين من ثبت على دينه من أهل اليمن ومن عمال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ هناك ورجحت الكِفَّة في البداية للمرتدّين،حتى صَفَا لهم مُلك اليمن.. لكن الرسول الأكرم ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لم ينشغل عن هذه الفتنة بماهو فيه من المرض،بل راح يحارب الأسودَ وأعوانَه بالكتب والرسل ويرتب لمن بقي على الإسلام من أهل اليمن مقاومةَ الأسْود حتى قتلوه،وقضوا على فتنته.. إلا أن أتباعه عادوا ثانية إلى إثارة الفتنة في اليمن بعد وفاة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - .

بوفاة باذان عامل رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على اليمن،مات أحد ولاة الإسلام الأقوياء،فراح النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يوزع السلطات هناك في عدد من الرجال،فولَّى شهرَ بنَ باذانَ على صنعاء،وعمرو بن حزم على نجران،وأبا موسى الأشعرى على مَأرِب،وبعث معاذ بن جبل يقضى بين الناس ويعلمهم أمر الدين..

وهؤلاء الولاة هم الشوكة التي تقف في حَلق الأسود العنسي،والعقبة الكبرى التي تمنعه من تحقيق أهدافه الخبيثة بتكوين مملكة تحت مظلة نبوته الكاذبة،وتبدأ أعمال المرتدين في نجران بالثورة على واليها عمرو بن حزم حتى أخرجوه،وسار بهم الأسود جنوبا فاستولى على هَمْدان،وقاتلهم شهرُ بنُ باذان على أبواب صنعاء حتى قتل.. وقَوِيَت الثقةُ في نفوس المرتدين،وازدادوا طمعا،فاقتطعوا الأرض من المسلمين جزءًا جزءًا،واستولوا على عدن والساحل والجَنَد،وما يقع بينهم وبين ولاية الطائف،وما يسقط في الطريق بين اليمن وبين ولاية البحرين،فصفَتْ اليمنُ للأسود،وقوى أمره،واستطار شره،وأصبح الناس باليمن بين مرتدٍّ معه كأكثر أهل اليمن،وهاربٍ من وجهه كخالد بن سعيد بن العاص،وعمرو بن حزم،ومُظْهِرٍ للكفر مبطنٍ للإيمان كفيروز الديلمى،الذي تزوج الأسودُ ابنةَ عمه بعد أن قتل زوجها شهر بن باذان والى صنعاء

وكان الأسلوب الذي اتبعه النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في القضاء على هذه الفتنة هو أمهر وأسرع ما يمكن اتباعه من أساليبَ في مقاومة مثل هذه الفتن،فماتت في مكانها،وإن بقي تحت الرماد شيئ ظهر في الردة الثانية لأهل اليمن.

مثلت اليمن رصيدا مهما للدولة الإسلامية الوليدة من جنوبها،لذلك اهتم بها النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ،فكان يرسل إليها المعلمين والقضاة،ويُولِّى عليها الولاة بما يضمن استقرارها،فلما بلغتْه أنباء الردة وإخراج نوابه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت