الصفحة 454 من 604

لأسباب عديدة بدأ بعض العرب في أواخر حياة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ردة جماعية عن الإسلام،افتتحها الأسْوَدُ العَنْسِيُّ الكاهنُ باليمن،وتلاه باليمامة مسيلمةُ الكذاب في بني حنيفة،وطليحةُ بن خويلد في بني أسد.

ومع أن الأسْود هلك وماتت فتنته قبل وفاة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بيوم واحد،إلا أن وفاة الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في ربيع الأول من السنة الهجرية الحادية عشرة فتحت بابَ الردة والامتناع عن أداء الزكاة على مصراعيْه،حتى لم يبق في العرب قبيلة إلا ارتدت: بعضها أو كلها،عدا أهل المدينة ومكة والطائف،والعديد من قبائل الحجاز،مثل: أسلم وغفار وغيرهما..

فوقف أبو بكر الصديق بلينه ورقّته في وجه هذا الخطر الداهم وقوف الجبال الشُّمّ الرواسخ،وجمَع الصحابة والصادقين من أهل الإسلام حوله،حتى قتل هذه الردة وقضى عليها تماما،وأذلَّ المرتدين ومانعي الزكاة،فحفظ الله به الدين،وصان به الأمانة التي تركها رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فيهم..

وقد تمثل مجهود أبي بكر في هذه الناحية في المواجهات التي قادها بنفسه ضد القبائل التي تجمعت حول المدينة وأرادت غزوَها،من عبس وذبيان وكنانة ومن اجتمع إليهم،رافضا أن يتنازل لهم عن أي شيئ من الإسلام،كما أعد الصديق ألوية وجهها لقتال المرتدين في كل ناحية من جزيرة العرب،حتى عادت الألويةُ منتصرةً،والدينُ عزيزًا لا يجرؤ أحد أن يدوس له على طَرَفٍ،ووقفت وراء هذا النجاح عوامل كثيرة،كما ترتب عليه نتائج تؤكد أن الأزمات مهما تكن شديدة فإنها قد تحمل للمسلم الكثير من الخير.

والله يا أبا الفضل لقد أصبح مُلك ابنِ أخيك اليومَ عظيمًا!

يا أبا سفيان،إنها النبوة. هكذا دار الحوار بين أبي سفيان والعباس بن عبد المطلب حينما مر بهما رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في الجيش الكبير الذي فتح مكة،ورسول الله في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار،لا يرى منهم إلا حدقة العين من الحديد.

وهذا المُلك هو نفسه الذي سال له لعاب الكثير من كُهان العرب،فراحوا يلتمسون الشهرة والمجد والسلطان بإدعاء النبوة،وتبعهم على ذلك أقوامُهم الذين لم يكن الإسلام قد استقر في نفوسهم،كما عودتهم الجاهلية على العيش في إطار من السلطة لا يتجاوز حدود القبيلة وزعامتها،وهم يستكثرون إعطاء الطاعة لغير هؤلاء الزعماء،ولو كانت على شكل ضريبة مالية تسمى بالزكاة...!

كانت هذه أسبابا مهمة بعثت حركة الردة ومنع الزكاة،وأشعلت نيرانهما،غير أن وفاة الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قد زادت من أثر هذه الأسباب فتشجع الجبان،وأقدم المتردد،وظنوا أن الدين مات بموت الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ،وأن الحزن الذي اجتاح أنفس الصحابة عليه كفيل بأن يشغلهم عن مقاتلة العرب التي ارتد الكثير من قبائلها وامتنع عن دفع الزكاة آخرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت