الصفحة 453 من 604

وكان من اهتمام عمر بحركة الفتوح أن أعد قوات احتياطية للاستفادة منها في الحوادث الطارئة،ومنهم أربعة آلاف مقاتل كانوا بالكوفة،وقد استفاد منهم في فك الحصار عن"حمص"حينما حاول الرومان استرجاعها سنة سبع عشرة للهجرة.

إن الجندية شيء والقيادة شيء آخر،فقد يكون الرجل جنديًّا مقدامًا ومقاتلًا فَذًّا لكنه لا يصلح للقيادة؛ لأنه لا يملك مؤهلاتها.

إن الجندية ما هي إلا مهارة في القتال وصبر في وجه العدو،وأما القيادة فهي إضافة إلى ذلك رجاحة في عقل القائد،واتزان في اتخاذ القرار،وإدراك عام لأحوال الجبهة التي يقاتل فيها... إن الجندي في الدرجة الأولى يفكر وينفذ لنفسه،وأما القائد فيفكر لجيشه ويشاركه في تنفيذ المطلوب.

وقد اعتنى الخلفاء الراشدون بالدقة في اختيار قادة جيوشهم،فكان ذلك أحد العوامل المهمة التي تحقق بها النصر للمسلمين،ومن أهم الشروط التي راعوها في قادتهم:

-اتصافهم بالتدين والتمسك بالإسلام.

-ومعرفتهم بالناحية العسكرية،وقد كان هذا الأمر يتسبب كثيرًا في تقديم رجلٍ على آخر أقدم منه إيمانًا وأكثر إنجازًا في خدمة الدين،كما فعل أبو بكر الصديق حين جعل خالد بن الوليد أميرًا على جيش فيه أبو عبيدة بن الجراح.

-ومن الشروط التي راعاها الخلفاء في اختيار قادة جيوشهم رجاحة العقل وذكاء الفكرة؛ لأن الحرب ليست صراعًا بالسيف وحده،ولكنها أيضا صراع في الأفكار بين القادة،من حيث اختيار الموقع الأفضل للجيش،ومفاجأة العدو بكمائن وخدع لم يكن يتوقعها.

حينما وقعت الصدامات الكبيرة بين المسلمين وخصومهم من الفرس والروم،أثبت هؤلاء الخصوم أنهم ما زالوا يحتفظون بالكثير من قدرتهم وقوتهم،وأن هيبة الدولة الكبيرة والإمبراطورية الواسعة ما زالت ميزة تميزهم.

إلا أن الحروب الطويلة الشرسة التي وقعت بين الفرس والروم قبيل الفتوح كانت قد أنهكت الكثير من قوى الطرفين،وعرَّضت جنودهما للهلاك وثرواتهما للاستنزاف وكثيرًا من المدن للخراب والدمار،مما جعل مهمة الفتح أهون من ذي قبل.

ويبدو أن طول هذه الحروب بين الإمبراطوريتين الكبيرتين وشراستها قد أثرت على ولاء الجندي الفارسي والروماني لقيادته،فاحتاج إلى أن يُقيَّد بالسلاسل في أحيان كثيرة لكي يثبت في وجه كتائب المسلمين الزاحفة،وشعر الجندي بأنه لا يقاتل من أجل مصلحته ولا مصلحة وطنه،وإنما من أجل أهواء السادة ورغباتهم،فلم يُؤثِّر فيه أي عمل صناعي لكي يثبت في وجه الفاتحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت