وقد تحلَّى الكثيرون من المسلمين المشاركين في معارك الفتوح بعمق الإيمان ورسوخ اليقين في الله تعالى،خاصة المهاجرين والأنصار الذين سبق لهم القتال مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلّمهم الثبات والإقدام،والشوق إلى الشهادة في سبيل الله تعالى.
وقد كان شيئًا فارقًا بوضوح بين المسلمين وبين خصومهم - حرص الجندي المسلم على الموت والشهادة وحرص خصمه على الحياة والبقاء،مما أثار دهشة قادة الفرس والروم وغيرهم ممن واجهوا المسلمين،لكنهم لم يدركوا أن السبب في هذه الروح التي تمتع بها المقاتل المسلم هي تعاليم دينه وإيمانه الراسخ الثابت بالله تعالى.
شاء الله - جل وعلا - أن تكون الكثرة الكاثرة من جنود الإسلام الأُول من العرب،تلك الأمة التي عاشت في غالب أحوالها في الصحاري والبوادي،وسط بيئات صعبة قليلة العطاء شحيحة بالماء والزرع،فعلمتها الحياة في هذه الأجواء شدة البأس وصلابة البِنية وخفة الحركة المرتبطة بنحافة الجسد.
لقد كان واضحًا في حروب المسلمين مع الأمم ذات المراس العسكري الطويل أن قوة الإيمان ومعها صلابة البنية وقوتها يمكن أن يعوضا كثيرًا من فارق الخبرة العسكرية.
وعندما فوجئ الفرس والروم بخروج المسلمين إليهم من جزيرة العرب،استهان الكثير منهم بقوة هذه الأمة الصاعدة،ووصفوها بالضعف والذل،ونسوا أن الصلابة التي تعلمها العرب من البيئة قد أصبح لها معنى كبير في ظل تبني هذه الأمة لعقيدة سامية ومبادئ رفيعة عالية.
لقد كانت ميادين الحرب التي خاضها الفاتحون واسعة،وكان الكثير من خصومهم ذوي شراسة في القتال وعدد كبير وعتاد،فلا تستغني مواجهتهم عن شدة البأس وقوة الصبر.
وليست البيئة وحدها هى التي صنعت صلابة العربي،بل إن كثرة الخصومات والحروب قد عوَّدت القوم أجواء الحرب،حتى كان الكثيرون منهم خبراء في القتال،وهذا ما قاله البراء بن معرور للرسول - صلى الله عليه وسلم - في بيعة العقبة الثانية:"بايعنا يا رسول الله،فنحن والله أهل الحروب،وأهل الحلقة،ورثناها كابرًا عن كابر".
نالت الفتوح اهتمامًا كبيرًا من الخلفاء الراشدين،فكان الخليفة يشرف بنفسه على حركة الفتوح،ويوليها اهتمامًا كبيرًا.
وتعددت صور هذا الاهتمام،إذ رعى الخلفاء تغذية الجهات بالجنود وتوفير الأمداد المطلوبة منهم،واختيار القادة المناسبين للجيوش،بل همّ بعض الخلفاء بقيادة الجيوش الفاتحة بأنفسهم.
وحرص الخلفاء على أن يكونوا موضع استشارة قادتهم،حتى تسير حركة القوات المسلمة في خطوط صحيحة. لذا كان خليفة كعمر بن الخطاب يحرص كل الحرص على معرفة كل كبيرة وصغيرة عن أماكن العدو ومواقع القتال.