انطلقت جموع كبيرة جدًّا من أنحاء جزيرة العرب لفتح البلاد،فهؤلاء خرجوا من اليمن،وأولئك من المدينة،وهؤلاء من عمان،وأولئك من الطائف...
فكانت هذه الحركة الواسعة باتجاه الشمال لافتة لأنظار المقيمين في بلادهم من العرب،إذ يبصرون ويشهدون بأنفسهم حراكًا اجتماعيًّا كبيرًا،تنتقل فيه أعداد غفيرة من الناس إلى بلاد أخرى كثير منها مشهور بالخصب والثروة.. وفي نفس الوقت ليس هناك ما يمنع هؤلاء المقيمين من المشاركة في هذا العمل الكبير،بل إن عدم مشاركتهم ربما أثارت حولهم سحبًا من الشك في شجاعتهم وإخلاصهم لدينهم،وربما فوتت عليهم غنائم كثيرة ينالها غيرهم من المشاركين في الفتوح..
لأجل كل ذلك خرج البعض ليشارك في الحروب مع الجيوش الفاتحة،مجاراة لغيرهم،وسلوكًا لنفس طريقهم.
إن الفهم الجيد للعوامل التي تقف وراء نجاح حركة الفتوح الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين؛ ليُبصّر بالعوامل التي تقف وراء نجاح أي عمل كبير كهذا..
ويمكننا منذ البدء أن نقول: إن نجاح الفتوحات لم يكن مصادفة أبدًا،ولا كان عملًا عشوائيًّا يخلو من التدبير والاستعداد المحكم،ولو كان الأمر على هذه الشاكلة لما استطاع المسلمون أن ينتصروا - لو انتصروا - إلا في معركة أو اثنتين.. لكن الفتوح والانتصار الإسلامي فيها كان شيئًا آخر،فهي عمل طويل النفس واسع المدى،شمل عشرات المعارك،من بينها معارك كبيرة جدًّا كالقادسية واليرموك وأجنادين ونهاوند وفتح الإسكندرية،وغيرها.. وفي الغالبية العظمى من هذه المعارك الشرسة الحامية الوطيس كان النصر في جانب الجيوش الإسلامية بصورة ما زالت مدهشة ومحيرة للتفكير.
وأبرز العوامل التي تحققت لأجلها انتصارات الفتوح هي:
-إيمان غالبية الجنود المسلمين بالله تعالى إيمانًا ثابتًا قويًّا.
-واعتياد العرب الشدة والبأس.
-ورعاية الخلفاء الكبيرة للجيوش وسير المعارك.
-ووجود مجموعة من القادة الأفذاذ على رأس الجيوش الإسلامية.
-وإنهاك قوى الفرس والروم في الحروب التي جرت بينهما قبيل معارك الفتوح.
لا تقوم الحرب والانتصار فيها على العوامل المادية وحدها،بل إن الحالة المعنوية للعساكر والجنود والقادة والجيوش لتمثل عاملًا فاصلًا يجلب النصر أو يوقع الهزيمة.
ولا شيء يمكنه أن يرفع معنويات الجندي المقاتل مثل الإيمان بالله تعالى؛ لأن هذا الإيمان يقلل من قيمة الدنيا في عينيه،ويجعل الموت في سبيل الله أمنية يتمناها،ورجاءً يرجوه من الله تعالى.