الصفحة 450 من 604

الناس كلهم مسلمين،بل قُصد بها إتاحة الفرصة أمام الناس في العالم كله - بقدر المستطاع - ليتعرفوا على الإسلام،ومن شاء بعد ذلك أن يؤمن فله ذلك،ومن شاء أن يكفر فله ذلك.

وقد نجح الصحابة في سعيهم نحو تحقيق عالمية الإسلام بصورة واقعية،حيث أسمعوا صوت الدين للأبيض والأسود والأحمر والأصفر،ونقلوا رسالته إلى الناس في آسيا وأفريقيا وأوربا،وأظهروا مبادئه فيما استطاعوا الوصول إليه من البلاد والأوطان،وتركوا لمن بعدهم كي يكمل الطريق الذي قطعوا فيه شوطًا بعيدًا.

وجد المسلمون أنفسهم - بعد اندحار المرتدين ونجاح مهمة أسامة على حدود الشام - في مواجهة أمتين كبيرتين قويتين،وهما: الفرس والروم،فأما الفرس فقد أعانوا المرتدين على المسلمين في أوقات حرجة من المواجهة الشرسة بينهما،ولا يؤمَن أن يأتي الشر من جهتهم..

لكن الفرس كانت الرهبة والخوف ملتصقين باسمهم،فقد سمع العرب في الجزيرة وشاهد بعضهم مجدهم وعز الملك في دولتهم،فجاء المثنى بن حارثة الذي قاتل المرتدين على حدود الفرس وهوّن على أبي بكر والمسلمين شأن الفرس وقوتهم؛ لتبدأ المعارك في هذه الجبهة كامتداد لحروب الردة في البحرين وما جاورها..

وأما الروم،فقد غزا أسامة بن زيد تخوم دولتهم،وأدب مَنْ هناك من الأمراء،وحشد الروم للمسلمين الجيوش عدة مرات ولم يقاتلوهم،وكانوا في ذلك الوقت منشغلين باحتفالات صاخبة باسترجاع مصر والشام وبيت المقدس من يد الفرس،وبعد قليل سيكونون في سعة من الوقت وفراغ من الزمن،وسيلتفتون حينئذ إلى الجبهة الجنوبية لهم لتأديب المسلمين،فحشد أبو بكر كتائبه لمصادمة الروم،فبدت معارك الفتوح في هذه الجبهة امتدادًا طبيعيًّا للصدامات الإسلامية السابقة مع الروم وأنصارهم من العرب.

حينما انطلقت جموع الفاتحين المسلمين من المدينة المنورة كانت النفوس متفاوتة في تعلقها بالدنيا وطلبها لنعيمها وزخرفها،غير أنه يندر أن تجد في كتائب المجاهدين الأولى طامعًا في غنيمة،إذ كانت هذه الجهات ميدانًا للراغبين في الشهادة والتضحية لا للطامعين في الغنائم والثروات..

فلما رأى الناس ثمار الفتوح،وأبصروا ذهب الفرس وفضة الروم وكنوزهما،أو سمعوا عن ذلك،بدءوا يتطلعون إلى المشاركة في الحرب مع الجيوش الفاتحة.. وهؤلاء المتطلعون هم - في الغالب - أبناء الصحراء القاحلة والخيام المضروبة وسط بحر من الرمال،تستهويهم مثل هذه الأشياء،وتأخذ بألبابهم.

وقد أدرك عمر بن الخطاب ميل النفوس إلى الفوز بالغنائم؛ فكان يشجع الناس ويحثهم على المشاركة في الجهاد،ويعدهم بغنيمة كبيرة.

ولا يعني حُبُّ الجندي النيل من الغنائم أنه يقاتل من أجلها،بل النفس دائما راغبة في الخير،والغنائم إنما تأتي مع النصر الذي يتمناه كل جندي،ويسعى إلى تحقيقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت