الصفحة 449 من 604

اصطدم موقف الإسلام هذا بما كان قائمًا في البلاد المفتوحة،وبدا موقف الإسلام مفاجأة لأهل هذه البلاد بعدما تعرفوا عليه وفهموه جيدًا.

لقد سعى الفاتحون إلى تحطيم الأصنام المستبدة التي تسلطت على رقاب الخلق،وكان طبيعيًا ألا يستبدلوا أصنامًا بأصنام،وكان الولاة من المسلمين في عهد الخلفاء الراشدين كبقية الناس،بل كان عموم الناس أكثر حرية منهم في التجارة والبيع والشراء،وراقب الخلفاء ولاتهم وعزلوهم عن مناصبهم في أحيان كثيرة.

لا شك أن إزالة السلطات القائمة في البلاد المفتوحة كان هدفًا سعى الفاتحون إلى تحقيقه،ونتج عن ذلك حرية اتباع الناس للدين،وزوال السلطات المستبدة التي ظلمت العباد،واستولت على نِعَم البلاد.

إن الإسلام ـ دين الله تعالى ـ ليس مشروعًا للسيطرة على العالم،ولا خُطة لتحقيق رفاهية قوم على حساب آخرين،بل هو رسالة الله ـ تعالى ـ وكلمته إلى البشر لدلالتهم على ربهم،وتقديم المنهج التام المرشد لهم إلى الخير...

ولا يريد الإسلام من إيمان الناس به أن يقوى بهم من ضعف،أو يزداد بهم من نقص،أو ينتقص من قوة خصومه،وإنما يريد إنقاذهم من الضلالة والكفر الذي لا يرضاه الله لعباده،ووضع أيديهم على الرشاد والإيمان.

لقد كان الفاتحون المسلمون الذين ساحوا في الأرض زمن الخلفاء الراشدين مدفوعين بدافع تجلية الإسلام وتوضيح مبادئه للبشرية،وكلهم ثقة أن الإسلام يملك من القوة الذاتية والتكامل والتمام ما يؤهله لغزو النفوس إذا فهمته،وجُلِّيت لها حقائقه.

وكان الفاتح المسلم يشعر بالانتصار إذا أسلم خصمه أكثر مما يشعر به إذا أسر هذا الخصم أو قتله؛ لأن إسلام الخصم يعني الانتصار على الشر البشري الباطن،وخلعه من نفس صاحبه تمامًا،وذاك خير من الخلاص من الجسد وموت صاحبه وفكرته لم تبارح مواقعها.

ولقد نجح المسلمون بعد أن استقروا في البلاد المفتوحة في جذب أعداد غفيرة من الناس إلى الإسلام بفضل جلال هذا الدين،وإضفائه بهاءً وجلالًا على من يلتزم به.

ما دام الإسلام هو الكلمة الأخيرة من الله إلى خلقه،فقد كان لابد له من العمومية والخلود،بحيث لا يكون خاصًّا بشعب أو قبيلة،ولا مقصورًا على زمان دون زمان،وقد استلزمت هذه العمومية عالمية الإسلام،فخرج من بيت إلى بيت ومن بلد إلى بلد،حتى عم الجزيرة في أواخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بل خطا في هذه الحياة المباركة خطوات نحو العالمية بهذه الكتب التي بعث بها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ملوك زمانه..

وقد كان لزامًا على الصحابة الأجلاء أن يواصلوا مسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تحقيق عالمية الإسلام وإسماع صوته للعالم كله،فخطوا خطوات الفتوح المباركة. ولم يكن مقصودًا بهذه العالمية أن يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت