الصفحة 448 من 604

لكنها جموع غفيرة،ولا يُشترط فيها أن تكون كلها خارجة من أجل خدمة أهداف سامية،أو متفقة على طلب ما عند الله من جهادهم،بل إن منهم من خرج بحثًا عن الغنيمة والثروة،ومنهم من خرج مجاراة للأحداث.

إلا أن شراسة الحروب وشدة الأعداء الذين واجههم المسلمون في معارك الفتوح تثبتان أن أكثر المجاهدين إنما جاهدوا من أجل خدمة المبادئ السامية لدينهم وعقيدتهم،وهذا هو العامل الأكبر الذي وقف وراء نجاح الفتوح.

تاه العقل وفقد أهميته وسط زحام كبير من الخرافات،وبدا في رتبة متأخرة من الأهمية،تسبقه العقائد الدينية مهما بدت متهافتة،وتتفوق عليه العوائد الاجتماعية ولو لم يكن لها منطق سليم تقوم عليه،وتتقدم عليه توصيات الملوك وآراؤهم وميولهم وإن أنكرتها الفطرة.

لقد كان من المهام المقدسة للمسلمين أن يزيحوا هذا الركام الهائل من الخرافات،ولم يكن هذا في بالهم كفكرة واضحة مباشرة،لكنهم في سعيهم إلى نشر عقيدة الإسلام ومبادئه كانوا يقومون بعملية إحلال يجري فيها استبعاد الخرافات وما تعلق بها من الطقوس الغامضة،وتوضع مكانها أفكار متزنة تحترم العقل وتجله،وتجعله أداة لاكتشاف كون الله تعالى،بما يقوي إيمان المؤمن ويفتح أمامه آفاق اكتشاف الوسائل الأفضل لخدمة الإنسان.

كانت الأديان قبل الإسلام تبدو في خلاف ونزاع دائم مع العقل،فجاء الإسلام وعقد مصالحة بين الدين والعقل،لا تجعل أيهما - ما دام صحيحا مفهوما على وجهه - في صدام أو خلاف مع الآخر. إلا أنه جعل ميدان النشاط العقلي أضيق من الدين نفسه،فالأنف تستطيع أن تشم الروائح،إلا أنها تعجز عن شم الألوان وعن رؤية الأشكال،وكذا العقل ينشط في مجال واسع يناسب ملكاته وقدراته إلا أن ميدانًا كعالم الغيب لا يستطيع العقل أن يخضعه لمقاييسه وقواعده.

دخل الإسلام بهذه المنظومة على أهل البلاد المفتوحة غالبًا منتصرًا،فتهيأ الميدان للصراع بين أفكار المنتصر ومواريث المغلوب،والقوة تميل إلى جانب المسلمين ماديًّا ومعنويًّا،فالأفكار التي يطرحونها قوية منظمة،وهم أصحاب السيادة والسيطرة في عالم السياسة.

جاء الإسلام فوجد الملوك والسلاطين قد أعطوا أنفسهم حقوقًا إلهية لا ينازعهم فيها أحد،فهذا سلطان يسري في عروقه دم إلهي،وذاك ملك نُصِّب بمعرفة الإله فهو ظله على الأرض،ومن هنا فليس لأحد أن يعترض على وراثة الابن للمُلْك عن أبيه،أو يحتج على استبداد الملوك وظلمهم للعباد واستئثارهم بخيرات البلاد..

وكانت الفكرة النظرية للإسلام أن الملوك - بل الأنبياء أنفسهم - بشر من البشر،ولا حق لأحد أن يرتفع فوق الناس بجنس أو نسب،بل إن الإمارة حمل ثقيل يعرض صاحبه لحساب صعب وشديد من الله تعالى،ومن جار في حكمه عرض نفسه لسخط شديد من الله سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت