الصفحة 447 من 604

وقد تحدى القرآن الخلق أجمعين أن يأتوا بمثله أو آيات من مثله،ولو كان بشريًّا لما عجزوا جميعًا وفى كل عصر عن صياغة مثله.

إن الناظر إلى الإسلام نظرة كلية يدرك كمال منهجه واستيفاءه التام لأركانه،ما بين عقائد تحدد هوية الإنسان وعلاقته بالكون من حوله،وتشريعات تضبط معاملاته وشعائر تضبط علاقته بالله تعالى .. كل ذلك في شكل بعيد عن الطقوس الغامضة والأعمال غير المفهومة،وحتى في التشريعات التي لا يفهم الإنسان حكمتها لن تجد مناقضة للعقل السوي ولا الفطرة السليمة.

إن الإسلام كلمة الله تعالى؛ لأنه يطمئن النفس،ويقنع العقل،ويستجيب لدواعي الشوق البشري الباحثة عن اليقين.

التنافس بين الأفكار في عالم البشر مسألة طبيعية،تدل على حركة حياة الناس وفاعليتها،والصدام بين الأفكار شيء محتمل،خاصة وأن أصحاب كل فكرة يعتقدون فيها القداسة ويظنونها الأولى بالسيادة والانتشار.

إلا أن هذا الاعتقاد لا يعطي أحدًا الوصاية على أحد،ويعطيه فقط حق السعي لنشر فكرته وحق توصيل صوتها إلى الناس.

وإذا كان الباري - سبحانه وتعالى - قد ميز الإنسان بكونه مختارًا،يختار بين الخير والشر،فمن واجب البشر أن يصون بعضهم لبعض حق الاختيار هذا،فلا يكره أحد على أن يغير فكره ومعتقده ...

لكن حق الاختيار هذا يفقد قيمته عند حبس المعرفة عن الناس،والحيلولة بينهم وبين مطالعة الأفكار والمذاهب والأيديولوجيات،لذا لابد من صيانة حق المعرفة للناس جيدًا،كي يختاروا بعد ذلك ما يشاءون على هدى ونور.

والإسلام لا يأمر المسلمين بمعرفة الحق وحده،بل لابد لهم من معرفة الباطل والمنكر أيضًا؛ حتى يتجنبوا الوقوع فيهما،وحتى تقوى صلتهم بالحق ومعرفتهم بفضله.

خرج المسلمون من الجزيرة بعد القضاء على الردة في موجات متتابعة،عشرات الآلاف من البشر ينتشرون مشرقًا ومغربًا،يسيحون في أرض الله الواسعة،والعنوان العريض على سعيهم وجهادهم:"إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد،ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام،ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة..".

هكذا نطق بها ضمير ربعي بن عامر وفطرته،فهدف هذه الجموع المحتشدة الكبيرة هو تحرير البشرية من الخرافات،وتحريرها من الاستبداد،وكسب الناس إلى صف الإسلام،وتحقيق عالمية الدين الحنيف..

ويُضاف إلى ذلك أن الفتوح كانت امتدادًا طبيعيًّا للأعمال الحربية التي سبقتها مباشرة،كحروب الردة التي مست الحدود مع فارس،وبعث أسامة بن زيد الذي غزا عند حدود دولة الروم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت