الصفحة 440 من 604

وترتب على ذلك أن كره الخلفاء سؤال الناس وطلب العطاء منهم،خاصة في الأوقات والأماكن الشريفة،فقد رأى علي بن أبي طالب رجلا يسأل الناس في عرفات،فأثار هذا المشهد أمير المؤمنين،وانطلق نحو الرجل وضربه بالسوط وقال له:"ويلك ! في مثل هذا تسأل أحدا غير الله". تختلف أشكال قطاعات الحياة وهيآتها من زمن إلى آخر،وأما قواعدها وقوانينها العامة فهي واحدة،وقد ضبط الإسلام حياة الناس التجارية بقواعد كلية تضمن لهذا الجانب المهم من حياة البشر انضباطَه ودوامَ سريان الدم في عروقه.

وقد حفظ المسلمون في مجتمع الراشدين هذه القواعد وصانوها،حتى ظهرت الأمانةُ في البيع والشراء،والصدقُ في المعاملات التجارية،وتَجنُّبُ كلِّ مصادرِ الحرام والشبهات ـ ظهرت كمعالم بارزة يُعرف بها المسلم،وينجذب الناس إلى دينه بسببها.

وقد كان من أدب التجارة لدى الراشدين معرفة التاجر بقواعد الدين حتى يضبط بيعه وشراءه،فلا يخوض في الحرام،أو تشتبه عليه السبل فيدخل في الشبهات،فكان علي بن أبي طالب يسأل التاجر عن فقهه في الدين قبل خوضه في التجارة.

وحارب مجتمعُ الراشدين الطرقَ المنحرفة في التجارة،فشددوا في أمر الربا كما شدد القرآن ورسول الإسلام ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وكان عثمان يذكر أن"الربا سبعون بابا،أهونُهاـ ذنبًا ـ مثلُ نكاحِ الرَّجُلِ أُمَّهُ". كذلك قاوموا احتكار السلع الذي يضيق على الخلق أرزاقهم،وكان عمر وعثمان يريان أن حجب أي سلعة عن الناس احتكار،وعاقب على الاحتكار بإحراق السلع المحتكرة.

ومن قواعد التجارة التي طبقت في هذا الزمن أن التشجيع على البيع والشراء والتماس الرزق ـ لا يعني أن يتاجر الإنسان في أي شيء بل لابد من أن تكون السلعة حلالا أصلا،فلا يجوز للمسلم بيع الخمر والتجارة فيها،ولو لمن لا تحرم في دينهم كالنصارى.

وكانوا يرون أن المال إنما وُجِدَ لا مِنْ أجل ادخاره،ولكن من أجل تحريكه والتجارة فيه،ليرزق اللهُ الناسَ بعضهم ببعض،وإن كانت هناك وجهات نظر في ذلك،فكان عثمان يجيز الادخار لأن أمر العباد لا يصلح بدونه،وخالفه أبو ذر ورأى أنه لا يجوز ادخار شيء أزيد من القوت،ونهى علي بن أبي طالب عن ادخار أربعة آلاف درهم فما فوقها،حتى لا يحبس خيرها عن الناس.

تجود أرض الجزيرة العربية بالزرع في قليل من أنحائها،ويبقى الجَدْب واللون الأصفر أوسع سيطرة عليها،فلا نهر ثَمَّةَ ولا مطرَ تجود به الزراعة وتكثر الخضرة.. ولما كان الإسلام دينا لا يرتبط بمدى زماني ولا يُحْبَسُ في إطار مكاني،فقد كانت تشريعاته أوسع من جزيرة العرب وأشملَ لها ولغيرها،فحبب إلى النفس كل ما فيه خير ونفع للناس،وحض على العمل النافع والصدقة الجارية،وأخبر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أن من أصلح أرضا وزرعها وأحياها بعد موتها فهي ملك له،وعلى هذا الأساس نشأ المسلمون بعد إسلامهم،وتكونت لديهم استعدادات عميقة للتعمير ونشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت