الصفحة 439 من 604

وامتلك محمد بن مسلمة بستانا أدرَّ عليه رزقا وفيرا،وكان كثيرٌ من الأنصار على هذه الحال،يملكون أرضا أو بستانا،فيزرعونها،وينتفعون بثمارها أكلا وبيعا.

كما كان شراء الأرض وبيعها بعد ذلك بثمن أكبر بابًا من أبواب زيادة الثروة لدى كثير من الصحابة،فقد اشترى الزبير بن العوام أرض"الغابة"قرب المدينة بسبعين ومائة ألف درهم،وباعها ابنه عبد الله بعد موته بحوالي عشرة أضعاف هذا الثمن.

هذا وقد شاركت الحرب في إضعاف قدرات المسلمين العرب في الصناعات،وفتحت المجال واسعا أمام الموالي لشغل هذا الفراغ الكبير.

مثَّل الموالي في مجتمع الراشدين قوةً اقتصاديةً ضاربة،ولكن لصالح سادتهم،فقد كانت قيمة هؤلاء الموالي هي أنهم يتقنون صناعاتٍ غيرَ موجودةٍ لدى العرب،أو توجد في دائرة ضيقة جدا،وبالتالي كان السادة ينتفعون بهؤلاء الرقيق،فيعطونهم حرية العمل في مقابل خراج يدفعونه إليهم،وقد كان لأبي بكر غلام يدفع له خراجا،وكان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج،وكان أبو لؤلؤة يعمل ويعطي سيده المغيرة بن شعبة درهمين كل يوم.

كذلك كان بيع الموالي أنفسِهم مما ينعش حركة المجتمع الاقتصاديةَ،وقد تفاوتت أثمانهم من واحد إلى آخر تبعًا لقدراته ومواهبه،وتبعا لهذه المواهب كان يتحدد خراج المولى لسيده،ولذلك رفض عمرُ بن الخطاب خفضَ خراجِ أبي لؤلؤة للمغيرة بن شعبة،فأبو لؤلؤة يجيد صناعات عديدة.

كذلك كانت المكاتبة بين السيد والمولى تُدِرُّ على المالك مالا كثيرا،فقد كَاتَبَ والد محمد بن سيرين سيدَه أنس بن مالك على عشرين ألف درهم،وكَاتَبَ أبو سعيد المقبري سيدته على أربعين ألف درهم،وكانت اشترته من سوق ذي المجاز بسبعمائة درهم فحسب.

وخوفا من الضغط على الرقيق ليكسبوا المال لسادتهم،كان عثمان بن عفان ينهى عن تكليف الرقيق الذي لا يجيد صنعة بدفع الخراج،حتى لا يسلك طرقا منحرفة للحصول على المال.

التَّوَكُّلُ خُلُقٌ للقلب الواثق بالله،والأخذُ بالأسباب قانونٌ لابد منه للبشر،ولا اصطدام بينهما عند المسلم.. فَهِمَ الخلفاء الراشدون هذا فحرصوا على مقاومة روح التواكل وانتظار الرزق حتى يصل إلى صاحبه بغير سعي،فكان أبو بكر نفسُه وهو في الخلافة يجمع بين التجارة ورعاية مصالح المسلمين،حتى فرض المسلمون له راتبا من بيت المال،ليتفرغ لرعاية مصالحهم.

وكره الراشدون أن يقعد المسلم عن الكسب،ويصير عالة على غيره،حتى قال عمر كلمته الشهيرة في ذلك:"إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة"وسمى الكسول الذي يمتنع عن السعي في الأرض طلبا لرزق الله،وهو يقدر على السعى ـ سماه"المتواكل"وقال للقراء الذين ينتظرون عطاء الناس:"التمسوا الرزق ولا تكونوا عالة على الناس".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت