وقد كانت للصحابة أنفسهم صناعات يقومون بها،وإن كانت الحروب طويلةُ الأمد قد قللت من اعتنائهم بهذا الأمر.
وقد ذم الراشدون القعود وترك السعي على الأرزاق.
وشهد عهد عثمان بن عفان رواجا اقتصاديا كبيرا،حتى بلغ ثمن النخلة ألف درهم.
واشتهر موسم الحج بالنسبة لأهل الحجاز كوقتٍ مميَّزٍ للتجارة وكسب الأرزاق.
وكان الكثير من رجال المجتمع الكبار على علم بالسلعة الأفضل ومواصفاتها.
لما هاجر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلى المدينة كان إنشاء سوق للمسلمين من الأعمال الأولى التي قام بها،ليُحدث توازنًا اقتصاديًا بين العناصر البشرية المقيمة في المدينة،ولينتزع من يد اليهود التحكم التام في النشاط التجاري.
ومنذ ذلك الزمن ظلت السوق مرفقا رئيسا من مرافق المدينة الإسلامية،وتنوعت بين أسواق صغيرة تخص جزءا من المدينة،وأسواق كبيرة للمدينة كلها،وللتبادل التجاري مع المدن الأخرى.
ولليسر والتلقائية التي تميزت بها الحياة عموما في عصر الراشدين،كانت الأسواق في مدن الأمصار أرضا فضاء لا بناء فيها ولا سُقُف،سوى ظلال متواضعة يضعها الباعة لتظلهم من الشمس والحر في الأماكن التي يختارونها للبيع والشراء.
ولم يكن للتجار أماكن ثابتة يشغلها الواحد منهم،فتبقى تحت يده دائما،ولكن كان من سبق إلى مكان فهو أحق به"حتى يقوم إلى بيته أو يفرغ من بيعه".
وقد كان الخليفة يتابع حركة البيع والشراء في السوق،وينهى عن الغش،وربما كلف بذلك نائبا عنه ـ رجلا كان أو امرأة.
وقد بقى تطوير الأسواق وتوسيعها مرافقا لتطوير المدن عموما،فحين اتسعت حركة العمران في البصرة زمن ولاية عبد الله بن عامر عليها،اشترى عددا من البيوت وأقام مكانَها سوقَ البصرةِ الجديدةَ.
يأكل الإنسان من عمل يده،فتتعود نفسُه العِفَّةَ،وتألف الصبر ويعرف قدر نعمة الله تعالى عليه .. وقد كانت للصحابة أعمال وصناعات استجلبوا بها رزق الله تعالى،فكان أبوبكر وعمر وطلحة بن عبيد الله بزازين يبيعون الأقمشة والحرير،وكان عبد الرحمن بن عوف تُجْلَبُ له تجارتُه الضخمةُ تحملها الإبل ليوزعها على صغار التجار،وكان عثمان بن عفان مثله،وأما سعد بن أبى وقاص فكان مع مهارته في رمي السهام يعمل في بريها وإعدادها لتصيب كبد الخصم وقلبه،وأما الزبير بن العوام،وعمرو بن العاص فكانا جزَّارَيْن،وزاد عمرو على ذلك فكان يبيع الطعام والطيب،كما كان أبو سفيان تاجرا كبيرا يقود تجارة قريش ويعمل في بيع الزيت،واشتغل عثمان بن طلحة بخياطة ثياب الناس.