الصفحة 437 من 604

لما هاجر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلى المدينة كان إنشاء سوق للمسلمين من الأعمال الأولى التي قام بها،ليُحدث توازنًا اقتصاديًا بين العناصر البشرية المقيمة في المدينة،ولينتزع من يد اليهود التحكم التام في النشاط التجاري.

ومنذ ذلك الزمن ظلت السوق مرفقا رئيسا من مرافق المدينة الإسلامية،وتنوعت بين أسواق صغيرة تخص جزءا من المدينة،وأسواق كبيرة للمدينة كلها،وللتبادل التجاري مع المدن الأخرى.

ولليسر والتلقائية التي تميزت بها الحياة عموما في عصر الراشدين،كانت الأسواق في مدن الأمصار أرضا فضاء لا بناء فيها ولا سُقُف،سوى ظلال متواضعة يضعها الباعة لتظلهم من الشمس والحر في الأماكن التي يختارونها للبيع والشراء.

ولم يكن للتجار أماكن ثابتة يشغلها الواحد منهم،فتبقى تحت يده دائما،ولكن كان من سبق إلى مكان فهو أحق به"حتى يقوم إلى بيته أو يفرغ من بيعه".

وقد كان الخليفة يتابع حركة البيع والشراء في السوق،وينهى عن الغش،وربما كلف بذلك نائبا عنه ـ رجلا كان أو امرأة.

وقد بقى تطوير الأسواق وتوسيعها مرافقا لتطوير المدن عموما،فحين اتسعت حركة العمران في البصرة زمن ولاية عبد الله بن عامر عليها،اشترى عددا من البيوت وأقام مكانَها سوقَ البصرةِ الجديدةَ.

ما بين الرعْي والتجارة كانت أعمال العرب في الجاهلية،وأضاف العبيد صنائع أخرى تعلموها من المواطن التي جُلبوا منها،فكان خباب بن الأرت يتقن صناعة السيوف،وتعلم بعض العرب صناعات راقية من الأمم المجاورة،كالطب الذي تعلمه الحارث بن كلدة في فارس... كذلك كان هناك نشاط زراعي محدود في بعض نواحي الجزيرة،فكان أهل المدينة من أهم منتجي التمر،وقاموا بتصديره إلى القبائل المجاورة،واشتهر يهود خيبر بالزراعة.

ومع مجيء الإسلام لم يتغير الحال كثيرا،إلا في انفتاح باب كبير من أبواب الدخل المادي للمسلمين،وهي غنائم الحرب،التي زادت زيادة كبيرة في أيام الخلفاء الراشدين،حيث ربحوا في الجولات الفاصلة مع أغنى الأمم وأكثرها ثروة حينئذ.

وكان إقطاع الأرض وإعطاؤها لبعض الناس نظاما معمولا به في تلك الفترة،حتى صار كثير من المسلمين ذوي ملكية كبيرة من الأرض،لكنهم كانوا في غالب أمرهم يستعينون بذوي الخبرة ـ من العبيد وأهل البلاد المفتوحة ـ لزراعة هذه الأرض.

ومع كثرة الموالي الذين ساقتهم الحرب إلى جزيرة العرب انتعشت وقويت صناعات عديدة،فأحد الموالي ـ أبو لؤلؤة ـ كان نجارا ونقاشا وحدادا. وكان لهؤلاء الموالي أنفسهم ولحركة تنقلهم أثر اقتصادي مهم في حياة المجتمع الإسلامي في دولة الراشدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت