الصفحة 435 من 604

وقد كانت الكوفة بديلا عن المدائن أراد المسلمون اتخاذها عاصمة،لكن هواءها لم يكن مناسبا،فأمرهم عمر بالتحول عنها إلى مكان يناسبهم،وتولى اختيار هذا المكان حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي،ودَعَوَا اللهَ أن يضع بركته في هذا المكان الذي وقعا عليه،وأقيمت فيه المدينة الجديدة.

وكان للمدينة موعد مع التجديد في نفس عام بنائها،إذ أصابها حريق أتى عليها،فاستأذن أهلها أمير المؤمنين في بنائها باللَّبِن،فأذن لهم،وأرسل إليهم أبا الهياج بن مالك لتخطيطها من جديد،فبدأ بالمسجد ثم دار الإمارة،وأقيمت المَحِلاَّت السكنيةُ على مرمى سهم من المسجد جهة اليمين والأمام والخلف.

فتحت الإسكندرية أمام المسلمين أبْوَابَها،فإذا بها مدينة ساحرة،تكسوها أثواب الجمال والنظافة،فأخذت بقلوبهم،واندهشوا لبهائها وجمالها،وأراد عمرو بن العاص،أن يتخذها عاصمة وحاضرة لمصر،لكن أمير المؤمنين عمر لا يحب أن يقطع بينه وبين جنوده شيءٌ،ونهر النيل بحركته وجريانه وفيضانه يقطع ما بين الإسكندرية وطريق أمير المؤمنين إليها،لذا أمر عمر نائبه على مصر عمرو بن العاص أن يتخذ للناس مدينة ليس بينها وبين عاصمة الخلافة سوى أرض تستطيع أن تسلكها الخيول والإبل.

وعلى الشاطئ الشرقي للنيل كان المكان،وفى العام الحادي والعشرين للهجرة كان الزمان،وفى وسط المدينة وقف ثمانون صحابيا لضبط قبلة المسجد الجامع وتشييده،ثم بنى عمرو دار الإمارة عند باب المسجد فاصلا بين الدار والمسجد بطريق،وإلى جانب دار الإمارة شيد الزبير بن العوام دارا لنفسه،وتولى الزبير تخطيط المدينة،فجاءت القبائل لتخط لنفسها مَحِلاَّتٍ سكنيةً،ومع كل مَحِلَّةٍ بنوا مسجدا صغيرا تُقَام فيه الصلوات،عدا الجمعة التي يصلونها في مسجد المدينة الجامع.

وأشرف على البناء أربعة من المسلمين منعا للنزاع والاختلاف،وهم: معاوية بن خديج التجيبى،وشريك بن سَمِيّ الغطيفى،وجبريل بن ناشرة المعافرى،وعمرو بن قحزم الخولاني.

وقد امتدت الخِطط والمَحِلاَّتُ السكنيةُ التي نزلت فيها القبائل،ولا ترتفع أكثر من طابق واحد ـ امتدت من النيل في الغرب إلى عين الصيرة في الشرق،ومن جبل يشكر من الشمال حتى جبل الرصد في الجنوب.

إن من عبقرية المسلم الفاتح في عهد الراشدين أن الفروق الكثيرة بين بيئته وبين البيئة الجديدة التي فتحها،لم تُصِبْ مسيرتَه بالعطب ولا بالاضطراب،بل استمر في طريقه يغترف من الحياة بقدر حاجته وضرورته،ولذلك كان يستخدم المسموح به من مواد البناء في تشييد مؤسساته وإقامة بناياته.

وأهم مواد البناء التي استخدمها المسلمون في عصر الراشدين لإقامة مساجدهم وبيوتهم وأسواقهم هي:

القصب،وهو نبات مجوف ذو كعوب،كالغاب،أقيمت به البصرة والكوفة أول مرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت