الصفحة 434 من 604

وقد راعى المسلمون في بناء ذلك حُسْنَ الموقع،ومعاونته على أداء الغرض المطلوب منه،فحرص أمير المؤمنين عمر على ألا يفصل بينه وبين جنده في المدن والمعسكرات الجديدة لا جبل ولا بحر،حتى يسرع النجدة إليهم بلا عائق إذا احتاجوا إليها.

ليس هذا فحسب،بل اتسع الخير وعمَّ حتى عَمَّر المسلمون بعض المدن الخربة،وأعادوا تشييدها لتخدم مسيرة الإنسان المسلم،ومثال ذلك مدينة جبلة بالشام،إذ كانت حصنا للروم تعرض للتخريب،وجلا أهله عنه عند فتح حمص،ثم أعاد المسلمون إعمارها،وبناها معاوية في زمن عمر بن الخطاب،وشحنها بالرجال،وأسكن المسلمين بها.

سنة أربع عشرة للهجرة كُلِّف عتبة بن غزوان صاحب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بأن يلتمس لجنوده موطنا للإقامة والسُّكْنَى،فقد نصرهم الله في مواطن كثيرة،وأورثهم أرضا وديارا واسعة،ولم يعد مناسبا لهم أن يتنقلوا بين الجهات والنواحي،فأمر عمر بن الخطاب قائده عتبة بأن يختار لجنوده موضعا لا يفصل بينه وبين المدينة المنورة ماءٌ ولا جبلٌ،فاختار موضع البصرة،وساق إليه الماء من نهر دجلة عذبا فراتا،وبدأ البناء فاختط المسجد ودار الإمارة،وأمر الناس بالبناء فأقاموا دورهم ومنازلهم بأعواد القصب ذات الكعوب المجوَّفة...

وكانت المدينة تشبه المسافر،إذا أقام أهلها بقيت قائمة،وإذا خرجوا للجهاد والقتال طووا قصبَها ووضعوه جانبًا،فإذا رجعوا أعادوا البناء اليسير ثانية...

وكانت البصرة في سنة سبع عشرة على موعد مع العمران الحقيقي الأول لها،إذ التهم حريق كبير منازل البصريين حتى أتى عليها،فتولى أمير المدينة أبو موسى الأشعري إعادة بنائها،وشُيِّدت بالطين واللَّبِن بعد استئذان عمر بن الخطاب،وتولى تخطيطها أبو الجرباء عاصم بن الدلف.

وفى ولاية عبد الله بن عامر على البصرة ـ أيام عثمان بن عفان ـ امتدت حركة العمران بها،واشترى ابن عامر عددا من البيوت أقام مكانها سوقا جديدة للمدينة.

مدينة أخرى بعد البصرة بناها أصحاب محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في مسيرتهم لملء الأرض بالإيمان والعمران،فقد أسسها سعد بن أبى وقاص سنة سبع عشرة من الهجرة،فشيد المسجدَ في قلبِها ليكون قلبَ مجتمع المدينةِ،وأقام بجواره دار الإمارة،ومن المركز امتدت الطرق والشوارع فخرجت خمسة منها في اتجاه الشمال،وأربعة إلى الجنوب،وثلاثة إلى ناحية الشرق،وثلاثة في اتجاه الغرب ... وكانت هناك شوارع رئيسة وأخرى ثانوية،ثم شوارع فرعية تربط المحلات السكنية بالشوارع الرئيسة والثانوية...

وبالرغم من تواضع المواد التي استُعملت أول مرة في تشييد الكوفة،إلا أن المسلمين عنوا بتنظيم شوارعها وتمهيد طرقها،فكان اتساع شارعها الرئيس أربعين ذراعا،والشوارع الثانوية ثلاثون ذراعا،والتي تليها عشرون ذراعا،وبلغ اتساع الأزقة والسكك الفرعية سبعة أذرع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت