الصفحة 433 من 604

ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مبنيا باللَّبِنِ وسقفُه الجريد،وعُمُدُه خشب النخل،فلم يزد فيه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ شيئا،وزاد فيه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وبناه على بنائه في عهد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ باللَّبِنِ والجريد،وأعاد عُمُده خشبا،ثم غيره عثمان ـ رضي الله عنه ـ فزاد فيه زيادة كبيرة،وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والجَصِّ،وجعل عمده من حجارة منقوشة،وسقفه بـ ( خشب الساج ) الذي يمتاز بالقوة والصلابة.

ولم يكتف الخلفاء بذلك،فوضع عمر القناديل في المسجد لتضيء للناس،وفتح فيه ستة أبواب،ولما جدد عثمان المسجد بعده أبقى الأبواب الستة،وزاد في ارتفاع الجدران،وفتح نوافذ في أعلاها للتهوية والإضاءة بالنهارـ وذلك سنة تسع وعشرين من الهجرة.

مع الفتوحات الإسلامية انتشر الإسلام واللغة العربية والمساجد،وإذا كانت الصلاة علامة الإيمان فإن المساجد رمزُ المؤمنين،وهي المِرْفق الأول في المجتمع المسلم،لذلك أقيمت المساجد أينما حل المسلمون وأينما أقاموا،وشُيِّدت حيث انتشر الإسلام وكثر تابعوه،وبقى بناء المساجد رفيقا دائما لفتح المدن،كما حدث عند فتح دمشق وفتح اللاذقية وحلب ...

لقد أدرك الخلفاء الراشدون أن ظهور الإسلام في مجتمع ما أو انتقال مجتمع مسلم إلى موضع جديد ـ يجب أن يرافقهما تشييد بيوت لله - تعالى،يقيم فيها عباده الصلاة ويذكرون ربهم،لذا كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبى وقاص بالكوفة،وأبي موسى الأشعري بالبصرة وعمرو بن العاص بمصر أن يتخذ كل واحد منهم مسجدا جامعا للمسلمين،"ويتخذ للقبائل مسجدا،فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة فشهدوا الجمعة"،وكتب إلى أمراء الأجناد أن ينزلوا المدن،ويتخذوا في كل مدينة مسجدًا واحدًا.

وكما تنتشر النجوم في سماء الدنيا،انتشرت المساجد في أرضها،وقام على بنائها وضبط قبلتها صحابة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ،كالذي جرى عند بناء مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط،ومسجد دمشق،ومسجد قبة الصخرة الذي أمر ببنائه عمر بن الخطاب في رحلة تَسَلُّمِه بيت المقدس.

"ما هي إلا معاقل لتوكيد الفتح،وحاميةٌ لتغذية جبهات القتال بالرجال والمؤن،ونقاطُ ارتكاز لحركة الفتح،ودُورُ هجرة،ومنازل جهاد،ومعالم لنشر الدين،وبذورُ بعثٍ جديد للحضارة الإنسانية باختيار الزمان والمكان"ـ هذا هو شأن المدن الجديدة التي شَيَّدَتْها سواعد المسلمين هنا وهناك،وبدأت كمعسكرات للجيوش،ومقرَّات لنُوَّاب أمير المؤمنين،على البلاد،فبدأت متواضعةً أشبه بالخيام البدوية،ثم تطورت حتى استقرت في مواضعها،وصاحبتْ مسيرة الزمن الطويلة،وذاك تشهده بيِّنا وتراه ظاهرا في بناء البصرة والكوفة والفسطاط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت