الكبار،لموت كثير منهم،واتساع رقعة المجتمع الذي عاش طفرة من الغنى المفاجئ،ودخل كثير من أهل الكتاب في الإسلام وأبطنوا الكفرـ كعبد الله بن سبأ ـ فأججوا نيران الخلافات وأشعار لهيب الفتن التي اغتالت العديد من الصحابة الكبار كعلي وطلحة والزبير.
لقد كان من علو مقامه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أن صارت صحبته منزلةً من منازل الناس،ومقاما رفيعا من مقاماتهم،وكلما كان الرجل أوثق علاقة به،وأكثر مصاحبة له وشهودا للمواقف معه ـ كان أعلى درجة وأرفع مقاما بين أفراد المجتمع،لا ببراءة أوْ صَكٍّ حصل عليه،ولكن للأثر العميق الذي تركه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في صحابته،كل حسب قربه منه وصحبته له.
لذا كان كبار الصحابة هم القمة الأولى في هذا المجتمع،وجاء بعدهم شباب الصحابة،وغلمانهم ـ كعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير ـ ومن تأخر إسلامه إلى ما بعد الفتح ـ كمعاوية بن أبي سفيان وعدي بن حاتم ـ ثم مَنْ حَسُنَ إسلامُه ممن لم يروا رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ككبار التابعين،ثم عموم أهل القبائل وسكان الحواضر من غير الصحابة.
وفى مجتمع الراشدين انقسم مسلمو ما بعد الفتح من الصحابة فريقين: أحدهما ثبت على دينه،ولم يتزعزع إيمانه،بل بقى في خندق الإسلام إلى أن وافاه أجله،كعدي بن حاتم الطائي الذي أنقذ الله به قومه من الهلاك في الردة،وثمامة بن أثال الحنفي الذي ثبت على دينه في وجه ردة مسيلمة الطاغية،وقاتل قومه تحت راية القرآن حتى زالت فتنته وكان لبعض هؤلاء الصحابة أثر كبير في مسيرة الدولة الإسلامية،إذ استعان بهم الخلفاء في مهمات كبيرة،كمعاوية بن أبي سفيان الذي ولاه عمر بعض الشام ثم وسع عثمان سلطاته حتى حكم الشام كله،وعبد الله بن أبي السرح الذي ولاه عثمان مصر.
وأما الفريق الثاني من مسلمي ما بعد الفتح الذين رأوا رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فقد اهتزوا مع الردة ورجوا أن يجنوا من ورائها نفعًا،فارتدوا مع من ارتد،لما كان من ضعف إيمانهم،وقلة سعيهم في خدمة دينهم وعقيدتهم،ومع أن هؤلاء كانوا قلة،إلا أن أكثرهم راجعوا أنفسهم مع اندحار الردة،ودخلوا فيما خرجوا منه من الإسلام،وراحوا يشاركون في الجهاد في سبيل الله في شراسة وشجاعة نادرة،ليعوِّضوا ما فاتهم بالردة،وأبرز هؤلاء عمرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد وقيس بن المكشوح.
بقدر الطاقة المختزنة في مجتمع ما تكون قدرته على مواصلة المسيرة وإنجاح المسعى،وقد توافر لمجتمع الراشدين نوعٌ من الطاقة فريدٌ كل الفَرَادَةِ،وهي طاقة الإيمان بالله والتزام تشريعاته،والتي تدرج الناس في المجتمع تبعا لها،فأكثرهم إيمانًا أعلاهم مقاما وأرفعهم درجة،وتأتى ترجمة هذا الإيمان في أعمال عظيمة يقدمها المؤمن،وصنائع جليلة تظهر منه.