المفتوحة،ليستعد المجتمع لتغيير عميق على المدى البعيد،يتبادل فيه التأثير والتأثر،فيعطي اللغة والدين،ويأخذ كثيرا من التقاليد والمواريث الحضارية.
بدت ثمرة الفتوح ناضجة كل النضج،ومعَدَّة تماما لينتفع الناس بها في عهد عثمان بن عفان،فقد وسَّعت الفتوح الدولة الإسلامية وجلبت ثروات طائلة،وجاء الخليفة أكثر ميلا إلى الرفق واللين،وترك كبار الصحابة ينتشرون في الآفاق،ويسيحون في البلاد،وكان الخليفة لين الطعام،فياضا بالخير على الناس.
وانتشرت الرفاهية والغنى بين الناس،وظهر أبو ذر في صورة المحتج على مخالفةِ نهج الزهد والتقلل من الدنيا،وعلى الاهتمامِ بجمع الثروات وتكديس الأموال،حتى أمره الخليفة بأن يقيم بالربذة بعيدا عن هذه الحياة التي لا يرضى عنها.
ومع مرور الزمن مات بعض كبار الصحابة كعبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد المطلب،وافتقد الخليفة مؤازرة بعضهم الآخر حين تركهم يسيحون في الأرض،واتسعت الثروات في أيدي البدو الذين شاركوا في الفتح،ورفع من عفا عنهم عثمان من المرتدين أعناقَهم وعلَتْ أصواتهم بالاحتجاج على سياساته،إذ أحسوا ـ ومثلهم البدو ـ بأن لهم رصيدا كبيرا في خدمة الإسلام بمشاركتهم في الجهاد والفتح.. وأدت الاعتراضات على الخليفة والانتقادات العنيفة الموجهة إليه إلى تأجيج الموقف ضده،حيث شق المعترضون صفوف المجتمع،وأحدثوا فيه انقساما وخلخلة شديدة بلغت ذروتها بقتل الخليفة العظيم.
وفى هذه الأجواء ظهر نمط جديد من الفعل الاجتماعي بين المسلمين،وهو"الاعتزال"وتجنب الفتنة،إذ شعر فريق من الناس ـ كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ـ بوطأة الفتنة وظلمتها حتى لم يبن المحق فيها من المخطئ بعد استشهاد الخليفة المظلوم.
لِمَ لا تكون مثل عمر ؟ !
لأن عمر تولَّى على مثلي،وأنا توليت على مثلك !!
بهذا أسكت علي بن أبي طالب هذا الصوت المنكر،فقد كانت رعية عمر تقف بجانبه وتؤيد خطاه وتتجاوب مع إصلاحاته،فسلمت المسيرة،وأما رعية علي فقد انقسموا عليه: فريق يؤيده وفريق يعارضه،وحتى مؤيدوه لا يطيعونه ويعترضون عليه،بل انقسموا بعد ذلك وخرج فريق منهم عليه،وغالى فريق من أتباعه فيه ووصفه بالألوهية مع حربه لهم وقتاله إياهم.
لقد كان المجتمع يعيش في فتنة اعتزلها البعض ـ كسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن عمر ـ وأشعل المنافقون واليهود نيرانها،وكشفت الكثير من بُنَي المجتمع المسلم عن وجود ضعف مميت فيها،حيث غاب الحرص على المصلحة العامة،وظلت روح القبلية عالقة في نفوس البعض،فَسَرَتْ فيهم دسائسُ أعداء المجتمع ومؤامراتُهم بسهولة،واستجابوا لدواعي الفتنة،وغاب أدب الخلاف مع ضعف الصحابة