الصفحة 400 من 604

الأنواع من الظلم مجتمعة،فيستولي أصحاب السلطة على كل شيء،ويسخرون ثروات البلاد لخدمة أغراضهم،ويذيقون الناس أنواع الهوان والعذاب لأنهم يخالفونهم لا في الدين ولكن في المذهب...

وجاء الإسلام في هذه الأجواء على النقيض من ذلك،فحمل السماحة والرأفة في قلوب أصحابه،والإيمان التام بوجوب إعطاء الناس حريتهم الدينية،بحيث لا يُرْغَمُون على شيء،إذ لا خير في دين ولا مذهب يتبعه المرء مكرها.

كما وازن المسلمون في تحصيل أموال الخراج والجزية والعشور،بحيث لا يرهقون الناس،ولا يفقدون هذه المصادر المالية المهمة للدولة...

لذا رأى سكان البلاد المفتوحة أن المسلمين جاءوا نسائم رحمة لا سيوف نقمة،فكان بعضهم يساند المسلمين ضد الرومان والفرس كما جرى في مِصْرَ وحِمْصَ وغيرهما،وبدلا من أن يتحول الفتح مع الزمان إلى احتلال آخر يمتص دماء الناس ـ أخذت قاعدة الإسلام البشرية تتسع،وازداد أتباعه ومعتنقوه،بينما تحلل كثير من الأديان والملل الأخرى أو قلَّ أتباعها.. وصارت البلاد لا بلاد المصريين وحدهم،ولا الشاميين وحدهم،ولا الفرس وحدهم،وإنما صارت بلاد المسلمين أجمعهم،من كل الأشكال والألوان.

لا يستطيع الأمير وحده أن يقوم على حماية الدين وحراسة الشرع،بل لابد من مشاركة المجتمع ومعونته،ومع قوة شخصية الفاروق عمر وعبقريته إلا أن نجاح مسيرة المجتمع في عصره لا ترجع إليه وحده،فلولا المستشارون الذين صَدَقُوهُ المشورةَ،وأحسنوا مساندته والوقوف بجانبه،ولولا الطاقة الهائلة التي بذلها القادة والجنود ـ وهم أكثر المجتمع ـ لولا هذا كله ما كان هذا النجاح.

لقد خرج في هذا الزمن عشرات الآلاف من أهل الجزيرة العربية إلى ما طالته أيديهم وأقدامهم من البلاد،يجاهدون في سبيل الله،ويفتحون الأفق أمام دعوة الإسلام،وتبع ذلك حِرَاكٌ اجتماعي ضخم خلت فيه الجزيرة من كثير من المواهب التي انتشرت شرقا وغربا،وراحت تنشر الإسلام هنا وهناك: في العراق وفارس،وفى الشام ومصر وغيرها.

وكان من عبقريات أمير المؤمنين عمر حرصه على بقاء كبار الصحابة حوله،ومنعهم من السياحة في البلاد والاستقرار بعيدا عن المدينة؛ إذ ضمن الخليفة بذلك ألا تشغلهم الدنيا ببريقها،ووجد بطانة يستشيرها وتسانده،كما مثلت هذه المجموعة البشرية جدارا صُلبًا يحمي تحركات الخلافة وقراراتها،ويصون المجتمع المسلم من التفكك والتشرذم.

ومع حرص عمر بن الخطاب على صيانة مجتمعه وحفظه من العادات والتقاليد الغريبة،وحرصه على الفصل بين المسلمين وغيرهم من أهل البلاد المفتوحة،ومنعه من تدفق الموالي إلى المجتمع الإسلامي في مكة والمدينة - مع ذلك كله فإنه لم يمنع من التفاعل بين المسلمين وبين أهل الأنحاء والبلاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت