ذاقت الشعوب نسيم الحرية في ظل حكامهم المسلمين،وعاينوا سماحتهم وحسن معاملتهم للناس،ورأوا فيهم رقة وذوقا رفيعا،فوثقت الشعوب في المسلمين،وأقبل كثيرون على الإسلام يعتنقونه،وبقى آخرون على دينهم،إلا أنهم ظلوا على احترامهم للفاتحين واعتبارهم نعمة نجاهم الله بها من ظلم الفرس والرومان.
إن شعبا كالشعب الفارسي انجذب إلى الإسلام في قوة وسرعة،وقد وقف إلى جانب حسن معاملة المسلمين لهم مصاهرةُ بعض السادة من المسلمين لأمراء الفرس،فقد تزوج الحسين بن علي وعبد الله بن عمر،ومحمد بن أبي بكر ثلاث أخوات من بنات أمراء الفرس،فتوثقت علاقة المسلمين بالفرس،وصاروا أصهارا لهم،وأخوالا لأولاد الصحابة.
مجتمع راشد وخليفة راشد،تسلم معهما المسيرة،وتُعَالج الأزمات بل والنكبات،وتظل السلامة العامة للأمة محفوظة.. وقد تعرض المجتمع الإسلامي بعد النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأزمتين كبيرتين كادتا تعصفان به،واهتز من الأعماق بسببها،وهما: وفاة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ،وارتداد الكثير من العرب،ولولا الطاقات النفسية والروحية والجسدية التي ملكها المسلمون حينئذ لتوقفت مسيرتهم عند هذا الحد.
وقد عولجت الصدمة الهائلة التي أصيب بها المجتمع بوفاة الرسول الكريم قبل أن يصبح للمسلمين أمير،إذ وقف أحد أبناء هذا المجتمع ـ وهو أبو بكر الصديق ـ يذكِّر الناس بحديث القرآن عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وأنه بشر يدركه ما يدرك البشر من الموت والمرض والتعب،حتى رجع الناس إلى رشدهم.
وكان الموقع الاجتماعي الذي أدى أبوبكر من خلاله أعظم الأدوار في خدمة دينه وأمته حتى سبق رجال الفروع القرشية الأبرز والأشهر ـ كان هذا الموقع كفيلا بأن يرفعه إلى درجة الإمارة،فوُلِّي الخلافة،وقاد المجتمعَ المسلم إلى مقاومة الردة وسحقها،حتى عادت الطمأنينة والاستقرار،وبقى الدين مهابا محترما.
وكان من النتائج الاجتماعية لحروب الردة كثرة الأرامل،وتحوَّل من ارتد ولم يمت في الحرب إلى أناس منبوذين يكره الخليفةُ أن يشركَهم في أي عمل من أعمال الدولة ولا يحب الناس مخالطَتَهم أو معايشتَهم. ونال من ثبت على دينه من أبناء القبائل المرتدة احترامَ الأمة وتقدير أميرها.
ووسط هذه الصورة المزدحمة لم يكن الخليفة ينسى الطبقات الضعيفة في المجتمع،فشارك بنفسه في معاونة الضعفاء وذوي الحاجة،فكان الصديق يتعهد امرأةً عمياءَ ويقضي لها حاجاتها،كما كان يرعى ويحلب غنما لبعض ضعفاء المسلمين،ونافسه الكثيرون من أبناء شعبه في ذلك.
ثقيل هو الظلم على النفس،وهو أثقل ما يكون حين يتصل بالدين،حين ترى الرجل يُضْطَهد من أجل عقيدته،ويحاول ظالمُه أن يصرفَه بالقوة عنها،وقد كان العديد من البلاد قبل الفتح الإسلامي لها خاضعا لأنواع عديدة من الظلم،فهنا ظلم سياسي وهنا ظلم اقتصادي،وهنا اضطهاد ديني،وهناك كل هذه