الصفحة 398 من 604

والمهمة الثابتة ذات الأثر البعيد التي قدمها علماء فترة الخلافة الراشدة لأمتهم ـ هي تبصير الناس بدينهم،ونقل ميراث العلم النبوي إلى الأجيال التالية.

إن الأحداث الكبيرة لَتَتْرك في المجتمعات البشرية تغييراتٍ عميقة بقدر ضخامة هذه الأحداث،وقد تسلم الخلفاء الراشدون قيادة المجتمع الإسلامي بعد أن أحدثت فيه فترة الرسالة أعمق التغييرات: في المفاهيم والأهداف والمُنْطَلقات.. وانطلق المجتمع من باب الحرص على تحقيق خلافة الله في أرضه بالعبادة والعمران،وهَدَفَ إلى التمكين لدين الله في أرضه وفى نفوس البشر.

أمواجٌ من البشر تتابع: تَسْلم المسيرة بسلامتها،وتختل باضطرابها،فالمجتمع من حول الخليفة يحرك التاريخ بإذن الله،والحركة تكون إلى الإمام إذا كان الخليفة راشدا والمجتمع راشدا،وتصبح انتكاسة إذا فقد المجتمع رشده.

والمجتمع في دولة الخلافة الراشدة اختلفت حالته العامة من خليفة إلى آخر،فتركز مجهود المسلمين في إمارة أبي بكر في أن يعيدوا إلى المجتمع توازنه الذي اختل بوفاة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وعهد عمر سخَّر فيه المجتمع كل قدراته وجهوده لخدمة الفتوحات،وعهد عثمان جنى الناس في أوله ثمرةَ الفتوحاتِ الطيبةَ في ظل رفق الخليفة، ثم أضاع الشاذون من أبناء المجتمع بهجة هذه الثمرة،وشهد عهد علي بن أبي طالب انقساما داخليا في المجتمع المسلم،وتفرقت الكلمة بسبب الشر الذي دخل على الأمة من مقتل أمير المؤمنين عثمان،ثم مقتل أمير المؤمنين عليّ.

فروق وفروق،لكن دائما كان أمير المؤمنين يبحث عن تثبيت الحق وإشاعة المعروف،ودفع الباطل ورد المنكر،وكان مدار النجاح والفشل هم صفوة المجتمع وموقفهم،والصفوة في مجتمع الخلافة الراشدة هم كبار صحابة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الذين كانت وفاة الواحد منهم كارثة للمجتمع لا يعوِّضها شيء سوى دوام حراسة الدين مثلما كانوا يحرسون.

عانت الشعوب في فارس والعراق والشام ومصر من استبداد حكامهم وتسلُّطِهم على رقابِ الخَلْقِ،إذ ضيق الحكام على العباد بلادَهم،وسلبوهم أرزاقهم وثروات أوطانهم،فلما أتى الفاتحون المسلمون لم تكن هذه الشعوب تدري شيئا عما يخبئه القدر خلف سيوف المسلمين،أهو ظلم كظلم كسرى وقيصر أم أقل ؟ ! لذلك كان أكثر هذه الشعوب يقاتل مع جنود الرومان والفرس أو يقفون موقف الحياد.. ومع تطاول المواجهات وتعددها بدأت الشعوب ترى في المسلمين نمطا جديدا من الغزاة،لا يرغمون أحدا على تغيير عقيدته،ولا يقاتلون إلا الجنود،ولا يحرقون بيوت الناس ولا زروعهم،وزاد المسلمون على ذلك أنهم لم يسلبوا الأرض المفتوحة من أصحابها،بل تركوها في أيديهم،على أن يؤدوا الخراج عنها،وهو أقل بكثير مما كان يأخذه منهم الجُبَاةُ من الفرس والروم الذين كانوا يستعبدون الفلاح ويعتبرونه أجيرا في أرضه التي ورثها عن آبائه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت