كان من الممكن أن يتأثر المسلمون بهذا تأثرًا شديدًا منذ عهد الراشدين،لكن حال دون ذلك قصر فترة حكمهم التي لم تتجاوز ثلاثين عاما،ومَنْعُ الراشدين من تعلم علوم الآخرين خشية أن تكون تعاليم دينية تشغل عن القرآن وتخالفه،كما أن عمر بن الخطاب ومن بعده من الراشدين كانوا يجعلون لجيوشهم مدنا ومعسكرات منفصلة عن سكان البلاد الأصليين كما كان الحال في البصرة والكوفة والفسطاط،وبذلك تكون فترة الراشدين قد مرت دون أي تأثُّرٍ علمي أو ثقافي بأهل البلاد التي فتحوها.
فقط يمكن ملاحظة أن بعض الصحابة أتقنوا بعض اللغات كما هو حال زيد بن ثابت الذي كان يقرأ اللسان العبري،وبعضهم اطَّلع على كتب السابقين الدينية،كعبد الله بن عمرو بن العاص الذي كان على معرفة بشيء من التوراة،وذكر صفة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فيها كما روى البخاري عنه.
وانفتح الباب واسعا للرواية من كتب أهل الكتاب بدخول من دخل منهم في الإسلام،وإن كان الصحابة منهم كأبيّ بن كعب وتميم الداري وعبد الله بن سلام يتورعون في هذه الناحية ـ فإن من جاء بعدهم ـ ككعب الأحبار ووهب بن منبه ـ كانوا أقل حرصًا على اختيار ما يروونه من كتب أهل الكتاب.
في الإسلام: لا معني للعلم بلا عمل،ولا فائدة لقول بلا سعى،وفى كل عصر تبدو الصورة الحقيقة للعالم المسلم على أنه رجل فِعْلٍ قبل أن يكون رجل كلام،وإذا كان يصعد المنابر فيهزها ويحرك مشاعر الناس،فإنه يأسر الخلق بحسن خلقه وجهاده وتمام ورعه وحرصه على الحلال الطيب،وبعده عن الشبهات ودواعي الشهوات.
والعلماء في مجتمع الخلفاء الراشدين مثلوا القطاع الأبرز في خدمة الدين وأهله،فمنهم من ضحى بنفسه،ومنهم من شارك في الجهاد والقتال،ومنهم من شغل نفسه بتعليم الناس أمر دينهم.
ويكفى أن الخلفاء الراشدين أنفهسم هم من علماء زمنهم الكبار،وقد حَمَوْا الإسلام،وحرسوا حدود الدين،وفتحوا البلاد وقلوب العباد أمامه،ورَعَوْا مصالح المسلمين...
كذلك كان من خدمة العلماء لدينهم وأمتهم أنهم عاونوا الخلفاء كمستشارين مقربين أمناء،وكولاةٍ على البلاد والأمصار،وقادةٍ للجيوش وقضاة على البلاد،ويكفى أن نسمع أسماء أبي عبيدة وأبي موسى الأشعري وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود لكي نعلم ذلك.
وكان العالم في الجيش هو قلبه وروحه التي يتحرك بها نحو هدفه،يذكر الناس بالآخرة،ويحثهم على الصبر في وجه العدو،فإذا ثار الغبار وحمي القتال كان العالِم في قلب المعركة.. وقد كان العلماء بالقرآن ـ على سبيل المثال ـ هم أداة النصر الكبرى في معركة اليمامة،حين كاد المسلمون أن يهلكوا تحت سنابك خيل مسيلمة الكذاب.